Syria proud - سوريا الأبيــــّة
يجب على الإنسان الذي يسعى إلى تحقيق كمال إنسانيته أن يستعيض عن كلمة "الحقوق" بكلمة "الواجبات"
Syria proud - سوريا الأبيــــّة

https://www.facebook.com/groups/syria.proud/
 
الرئيسيةالرئيسية  بوابةبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخول  
الواجب مبدأ يتصل بالعطاء والخدمة والتضحية والوعي الذي يبلغ سموه في هذه القيم والمفاهيم *** ويسود قانون العدالة الإجتماعية و ينعم شعبه بالأمن و السلام *** ويحشد طاقاته في التنمية والإعمار والتقدم العلمي والتكنولوجي **** الان نقطة انعطاف مهمة لتصحيح مسار وطننا ووضعه على المسار الصحيح نحو مستقبله ونقلة نوعية إلى الحركية والتقدم والإنفتاح***** يجب على الإنسان الذي يسعى إلى تحقيق كمال إنسانيته أن يستعيض عن كلمة "الحقوق" بكلمة "الواجبات"*****

شاطر
 

 قواعد الإمبريالية أداة العدوان

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
estqsa.info
المنسق العام
estqsa.info

عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 04/06/2011

قواعد الإمبريالية أداة العدوان Empty
مُساهمةموضوع: قواعد الإمبريالية أداة العدوان   قواعد الإمبريالية أداة العدوان Emptyالسبت يونيو 11, 2011 2:26 pm


قواعد الإمبريالية أداة العدوان
مقدمة:
ربمالا توجد في عصرنا قضية أكثر أهمية وحيوية من قضية النضال في سبيل السلام والأمن الدولي. فالسلام العالمي اليوم هو أعز وأغنى ثروة، وهو حاجة ماسة لجميع البلدان والشعوب. ويرتهن بصيانة السلام العالمي مستقبل البشرية والتقدم الاجتماعي وتطور الحضارة اللاحق.وأحرزت خلال الأعوام الأخيرة نجاحات كبرى في مضمار النضال من أجل السلام وتوطيد الأمن الدولي، فقد تصاعدت عملية الانتقال من سياسة المجابهة والتوتر إلى ترسيخ نهج الانفراج وتسوية العلاقات بين الدول والشعوب وتطوير التعاون فيما بينها على نحو حثيث. ويغدو مبدأ التعايش السلمي الاتجاه الرئيسي في العلاقات بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة.
إن هذه التحولات الإيجابية في الوضع الدولي ترتبط، بالدرجة الأولى، بتغير تناسب القوى على الصعيد العالمي وداخل بلدان كثيرة، لصالح قضية السلام والديمقراطية والتحرر الوطني والاشتراكية. بيد أن هذه التحولات لا تجري تلقائياً وعفوياً، بل هي نتيجة نضال دؤب خاضته قوى سياسية واجتماعية تقدمية، وأوسع الجماهير الشعبية. وكان لابد من بذل جهود كبيرة لكي يبدأ الناس، وخاصة الذين يقودون سياسة الدول، بالاعتياد على فكرة أن القضايا المختلف عليها في الشؤون الدولية ينبغي أن تحل لا من مواقع القوة، ولا عن طريق التهديد والتحكم، بل على طاولة المباحثات والبحث عن حلول ترضي جميع الأطراف في المؤتمرات ولقاءات القمة الثنائية، وبالسبل السلمية الأخرى.
وبعض البلدان تلعب دوراً بارزاً في توطيد الأمن الدولي والسلام. وأن تطبيق برنامج النضال في سبيل السلام والتعاون الدولي ومن أجل حرية الشعوب واستقلالها، ، ليكون ذو تأثيراً إيجابياً على الوضع الدولي.
ومن ثم السياسة الخارجية المحبة للسلام التي تمارسها الدول بتأييد الشعوب ، منجزات كبرى مثل النصر التاريخي الذي أحرزه الشعب العربي ضد الاحتلال والشعب الفيتنامي في النضال ضد قوى العدوان الإمبريالية واضطرارها إلى الانسحاب من الهند الصينية وتطوير التعاون السياسي والاقتصادي في القارة الأوربية وانعقاد مؤتمر الأمن والتعاون الأوربي في هلسنكي واتخاذ خطوات هامة في مجال ترسيخ الاستقرار في أوروبا وفي المناطق الأخرى من الكرة الأرضية.
وتقدم عدد من الدول بمقترحات تدعو إلى عقد معاهدة عالمية حول عدم استخدام القوة في العلاقات الدولية، وحول الحظر التام والشامل لتجارب الأسلحة النووية، و صناعة أصناف وأنواع جديدة من أسلحة الإبادة الجماعية التي يمكن أن تظهر بينها أسلحة أكثر خطرا حتى من السلاح النووي.
ولسوف يظل النضال في سبيل ترسيخ مبادئ التعايش السلمي بصورة أوسع ومن أجل السلام الوطيد وفي سبيل تقليل، ومن ثم إزالة خطر نشوب حرب عالمية جديدة،
إن ما أحرز من تقدم في مضمار الانفراج يجعل مهمة التغيير الجذري لمجمل نظام العلاقات الدولية المعاصرة مهمة واقعية. ومع ذلك فإن الانفراج لم يتوطد بعد، وما برحت ثمة عقبات جديدة تعترض الطريق المفضي إلى الأمن الراسخ والسلام العالمي. ولم تتغير طبيعة الإمبريالية، بالرغم من تضعضع مواقعها. ويجابه التطور الإيجابي في الوضع الدولي عموماً، بمقاومة أعداء الانفراج وقوى الرجعية والعسكرية التي تريد أن تعود بالعالم القهقرى، إلى أزمان "الحرب الباردة" والتأرجح على حافة الكارثة النووية. كما أن النجاحات المحرزة في مجال النضال من أجل السلام أثارت قلق الأوساط التي تبتز الأرباح من إنتاج أدوات الموت، والدوائر الساعية إلى شن "حملة صليبية" ضد اليابان الاشتراكية وضد الشيوعيين، كما أثارت قلق سائر أعداء التعايش السلمي بين الشعوب.
وما زال لدى خصوم الانفراج ونزع السلاح غير قليل من الموارد والإمكانات، خاصة وأن العديد منهم يتولون مناسب في الدوائر العليا السياسية والاقتصادية والعسكرية وغيرها في الدول الأمبريالية، ويتنسمون مناصب وزارية وبرلمانية، ويسيطرون على أجهز الإعلام الجماهيري. وتتخذ مقاومة هذه القوى المختلفة للانفراج أشكالاً شتى، وأهمها السعي لمواصلة تصعيد سباق التسلح رغم أنه بلغ مدى لم يسبق له مثيل في عدد من البلدان الرأسمالية.
وبغية تبرير هذا النهج الذي يشكل في واقع الحال تهيئة مادية لحرب عالمية جديدة، تلجأ الأوساط الإمبريالية العدوانية وأذنابها إلى شتى الاختلافات والافتراءات. وهم يشوهون السياسة العربية ، ويتعمدون تزييف دوافع ومغزى حركات التحرر الوطني ونشاطات القوى الوطنية، ويعودون إلى عزف أسطوانتهم المهترئة الزاعمة بأنه توجد في العالم "مؤامرة إرهابية" وتدعى "تزايد الخطر الإرهابي". وتوضع على عاتق البلدان الإسلامية "مسؤولية" ما يجري من أحداث سياسية داخل دول أخرى، و"مسؤولية" الحروب الأهلية والتحررية الوطنية. ويجري تخويف رجل الشارع بـ "أنه المستهدف" ويحاولون أن يحملوه على الظن بأن بلدان معاهدة وارشو تعمل على تصعيد تسلحها بأبعاد هائلة وتستعد لشن حرب ضد الغرب وما إلى ذلك.
ومن جهة أخرى فإن النفقات العسكرية للدول الإمبريالية عامة والولايات المتحدة الأميركية خاصة تتزايد باطراد. فقد بلغت الميزانية العسكرية للولايات المتحدة الأميركية
في سنة 1977 وحدها 104 مليارات دولار.
وعند إضافة متبقيات السنة الماضية وصلت الاعتمادات العسكرية إلى 113 مليار دولار أي ما يربو على ثلث الميزانية الاتحادية برمتها.
وخلال عقد واحد (1965ـ 1975) كان نصيب وزارة الحربية الأميركية (البنتاغون) من خزانة الدولة 1060 مليار دولار،
وهذا الرقم يزيد بـ 13 مرة عما أنفقته الولايات المتحدة على قواتها المسلحة خلال السنة التي بلغت الحرب العالمية الثانية أوجها،
أي في سنة 1944 ـ 1945 المالية.
وخلال خمسة أعوام (1971ـ 1975) ازدادت النفقات العسكرية لدول أوروبا الغربية الأعضاء في حلف الناتو لأكثر من الضعف.
وخلال الفترة الممتدة بين 1949 و 1976 أنفقت البلدان الأعضاء في هذا الحلف على سباق التسلح ما يربو على 2268 مليار دولار. وتزايد كذلك النفقات العسكرية لإسرائيل. إن كل هذه الأموال الطائلة تنفق هباء في واقع الحال. حين يكون جزءاً كبيراً من البشر يعيش على شفا الموت جوعاً.
هناك خطر كبير يهدد السلام وهو يتمثل في بؤر الخطر العسكري القائمة في العالم، وفي وجود قواعد عسكرية وقوت تابعة للدول الإمبريالية في أراض أجنبية في مناطق عديدة من العالم.
إن هذه القواعد والقوات الأجنبية المرابطة فيها هي أداة للحفاظ على التسلط الإمبريالي وتعزيزه في مناطق من العالم لها أهمية سياسية أو اقتصادية أو استراتيجية. وتستخدم الدول الإمبريالية هذه القواعـد والقوات ليس لغرض الدفاع والحماية ، كما تزعم الدعاية ، بل تستعملها كنقاط ارتكاز لممارسة سياسة " القوة" حيال بلدان المنظومة العربية، ولإملاء إرادتها خاصة البلدان النامية السائرة ، ولدعم الأنظمة الرجعية والعمل بمعيتها في محاربة القوى الوطنية والقومية التحررية. كما أن القوى العسكرية والتوسعية تستخدم القوات لممارسة تحرشات واعتداءات سافرة ضد بلدان أخرى، وللقيام بعمليات التخريب والتجسس والتهويش الأيديولوجي والعديد من النشاطات الأخرى ذات الطابع الإمبريالي المعادي للشعوب.
إن "استراتيجية القواعد" التي تتبعها الإمبريالية هي جزء هام من أجزاء سياستها الرجعية في الظروف الراهنة. وتطبق هذه السياسة مقترنة، على نحو وثيق، بسائر تدابير مقاومة الانفراج وتوطيد الأمن، وهي رأس حربة موجهة، في المقام الأول، ضد جميع القوى التقدمية المعاصرة، ونعني بها حركات التحرر الوطني في العالم أجمع. كما أن هذه السياسة معدة في جوهرها لمصالح الجماهير داخل البلدان الإمبريالية ذاتها، لأنها تستنزف من الشعب الكادح جزءاً كبيراً من الأموال، وترغم أبناء الشعب على إراقة دمائهم في حروب عدوانية ومغامرات استعمارية ليست البتة من مصلحة المواطنين البسطاء، وهي تزيد من صعوبة نضالهم في سبيل حقوقهم المشروعة، وضد تسلط المجموعة العسكرية الصناعية وتفشي الروح العسكرية والرجعية.
وفي الوقت الحاضر تنخرط أعداد متزايدة من أوسع الجماهير في النضال ضد النهج السياسي الرجعي للإمبريالية، ومن ضمنه "استراتيجية "مرة معك وأخرى عليك". ويتضح اليوم لأعداد متزايدة من البشر أن السلام العالمي لا يمكن أن يُكفل بالاستعدادات العسكرية وممارسة سياسة " القوة" و"الحرب ". بل إن السلام الوطيد لا يمكن بلوغه إلاّ على أساس المباحثات والثقة المتبادلة بين الشعوب والبلدان، على أساس التعايش السلمي. ويجب أن تغدو تصفية القواعد الأجنبية العسكرية المقامة فيما وراء البحار، وإن الدول المحبة للسلام تقف بثبات عند هذه المواقع،
بيد أن الأوساط الرجعية في الدول الإمبريالية، وخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما من بلدان حلف الناتو تعزف عن هذه المقترحات التي تمليها مصلحة الانفراج الدولي.
وما زالت لهذه الدول شبكة واسعة من القواعد ورؤوس الجسور العسكرية، ولها هناك قوات كبيرة العدد، وأساطيل جوية وبحرية تستند إليها في تطبيق سياسة التوسع والعدوان، ووضع العراقيل في طريق الانفراج. كما تحظى الأوساط الرجعية الإمبريالية بدعم نافذين دوليين تدعو إلى تعزيز الوجود العسكري للولايات المتحدة والدول الإمبريالية الأخرى في أراضي الغير، وخاصة في أوروبا الغربية والبحر الأبيض المتوسط وأفريقيا وحوضي المحيطين الهندي والهادي. ولا تدع فرصة إلا وتنتهزها لتذكر واشنطن مراراً وتكراراً بوجود "ضرورة قصوى" للاحتفاظ بالقوات والقواعد الأميركية في أراضي الغير وفي الحدود والمرتكزات الأمامية المقامة باتجاه حدود بلدان المنظومة الاشتراكية. ويتضامن القادة الاحتكاريين تضامناً تاماً مع الرجعية الإمبريالية في الترويج لافتراءات حول "الخطر العربي" والدعم بضرورة "اتخاذ الإجراءات الفورية والحاسمة للغاية" بغية مكافحة هذا الخطر.
ما هي "الاستراتيجية ؟ وما هو الأساس الذي تقوم عليه؟ أين يكمن خطرها على قضية السلام وعلى مصالح أوسع الجماهير في مختلف البلدان والمناطق؟
القواعد العسكرية أداة للعدوان والتحكم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
estqsa.info
المنسق العام
estqsa.info

عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 04/06/2011

قواعد الإمبريالية أداة العدوان Empty
مُساهمةموضوع: رد: قواعد الإمبريالية أداة العدوان   قواعد الإمبريالية أداة العدوان Emptyالسبت يونيو 11, 2011 2:31 pm

القواعد العسكرية أداة للعدوان والتحكم

ليلة السابع عشر من كانون الثاني (يناير) عام 1966 وبقرب مدينة لميريا الإسبانية. أقلعت طائرة تزويد بالوقود(صهريج) من قاعدة عسكرية أميركية (توريخون ديادوس)على مقربة من العاصمة الإسبانية مدريد. حيث تزوِّد بالوقود جوا قاذفة قنابل من طراز "ب 52"، الاستراتيجية التي تقوم بتحليق دوري فوق البحر الأبيض المتوسط، وهذه القاذفة على استعداد قتالي كامل لإنزال ضربة نووية، فهي تحضن أربع قنابل هيدروجينية جاهزة للقذف، طبقاً للنظام متبع في سلاح الجو الاستراتيجي الأميركي.؟
لقي شهود العيان حتفهم، عندما تحدثوا بشأن ماجرى تلك الليلة في سماء إسبانيا التي خلدت للنوم. ولم يبق من الطائرتين إلا حطام محترق. وتقارير الخبراء طرحت سيناريو (أن الطائرتين، وأثناء التزود بالوقود اصطدمتا، وتناثرتا في الفضاء، ثم تساقط حطامهما بضجيج صم الآذان. وقد سقطت كتلة الحديد الملتهبة قرب قرية صغيرة تدعى بالوماريس، وسمع صوت الدوي عن بعد كيلومترات. وبذلك تساقطت القنابل الأربع اللاتي كانت تحملها الطائرة "ب52
ولثلاثة أشهر تقريباً دأب آلاف من الجنود والفنيين الأمريكان الذين وصلوا إلى مكان الحادث، وبمساعدة من الرجال الشرطة الإسبانية،البحث عن القنابل الهيدروجينية ، أو بقاياها وطيلة الفترة سكان إسبانيا والبلدان المحيطة يغفون على الخوف ويستيقظون على الهلع، يتابعون الكارثة المروعة. ومجلة "شبيغل" زادت الطين بلل بقولها(انفجار قنبلة واحدة من الأربع لن تبقى على أي من أهالي بالوماريس أوالمنطقة المحيطة بها، بل سيهلك سكان مناطق بعيدة عنها. وبحصول الكارثة ستكون منطقة دمار مريع والإشعاع النووي سيشمل جنوب إسبانيا كله وغرب البحر المتوسط والى أراضي المغرب والجزائر، ومن يعرف عواقب ذلك على عالم الحيوانات المائية في المحيط الأطلسي).
وأخيرا تمكن رجال سلاح الهندسة العثور على بقايا ثلاث قنابل و بعد مرور أسابيع ثقيلة عثر على القنبلة الأخيرة التي سقطت في البحر على مقربة من الساحل. واتضح أنه تكونت منطقة إشعاع مستقر قرب قرية بالوماريس، الذي دفع الفلاحين إلى إتلاف محاصيلهم وأرغم الصيادين التوقف عن عملهم في المنطقة. مأساة بالوماريس التي يتحمل وزرها البنتاغون. جعل الرأي العام في الولايات المتحدة يطالب باتخاذ تدابير حازمة للحيلولة دون تكرار ذلك أو وقوع مأساة مماثلة مستقبلا. لكن المطالب أهملت ولم تجد آذاناً صاغية, وبالتالي الكارثة الجديدة، التي حدثت في منطقة تبعد آلاف الأميال عن إسبانيا، في غرينلاند.
ففي 21 كانون الثاني (يناير) 1968 أقلعت قاذفة قنابل من طراز "ب 52" من إحدى القواعد الجوية الاستراتيجية في الولايات المتحدة للقيام بدورية في اتجاه حدود الاتحاد السوفييتي (سابقا). عبر قوس كبير في سماء شمال الأطلسي. مرورا فوق لابرادور، وتقطع آلاف الكيلومترات فوق المحيط، وحين وصولها إلى قاعدة (تولي) القطبية الجوية الأمريكية في غرينلاند، أبلغ قبطان الطائرة عن حريق شب في المتن. ولم تجد محاولات طاقم الطائرة إيصالها إلى القاعدة. و إضاءة الليل القطبي في غرينلاند سببه سقوط حاملة القنابل الهيدروجينية على الجليد السميك قرب الساحل محدثة فجوة فيه سرعان ما ابتلعها مصحوبا بدوي يصم الأذان. وسمع دوي الانفجار على بعد عشرات الكيلومترات، ومحطات الرصد في تولي سجلته بدقة ، فانطلقت فرق الإنقاذ إلى مكان الحادث ساعات، وتمت عملية انتشال حطام الطائرة استغرق عدة شهور.
و بكتمان شديد أحاطت القيادة الأمريكية هذا الحادث، ورغم منع الإعلام من الوصول إلى موقع الحادث. فقد تسربت إلى الصحف معلومات عن وجود نسبة عالية من الإشعاع في منطقة تولي وخاصة في المياه. و الخطر الأكبر وجود مياه جوفية عميقة في هذه المنطقة من الساحل ، التي سنقل المواد المشعة إلى مساحات شاسعة وتعرض الصيد البحري للخطر في مناطق واسعة من المحيط.
حاولت الأوساط الرسمية والقيادة العسكرية في واشنطن تهدئة الرأي العام بأن مخاوفه مبالغ فيها، وأنه ليس هناك خطر كبير . وزعموا ان الغواصين تمكنوا من نشل كل الحطام ولم يكن هناك حمولة من القنابل الهيدروجينية
و أكد( أيبنر ميكوا ) عضو الكونغرس الأميركي أن العديد من الأمريكان فقدوا الثقة بممثلي القوات المسلحة، لأنهم متيقنون من كذب البنتاغون وهناك الكثير من الحالات المشابهة.
إن (بالوماريس) و(تولي) وعدة حوادث أخرى التي وقعت فيما بعد للطائرات الأمريكية حاملة الأسلحة النووية، و حالات تسرب المواد المشعة وتسمم المياه والتربة أثناء دخول الغواصات والبواخر الأمريكية الموانئ الأجنبية والقواعد البحرية على أراضي الغير، وغير ذلك من الحوادث الخطرة المشابهة، شدت انتباه الرأي العام العالمي إلى مدى الخطر الذي يهدد أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية بسبب وجود شبكة من القوات العسكرية الأميركية في عدد من بلدان هذه القارات. والخطر لم يقتصر على السكان بل يهدد الملايين من السكان في شتى مناطق العالم. فخطر هذه الحوادث أكبر من حدوث انفجار مهما كانت قوته التدميرية ، فهو يؤدي إلى عواقب وخيمة تؤثر مباشرة على سكان مناطق تبعد آلاف الكيلومترات عن موقع الانفجار،. هذا مجرد جانب واحد من جوانب تأثير شبكة القواعد الإمبريالية على الوضع الدولي.
أداة تعزيز وتوسيع مواقع الإمبريالية، وهي مصدر خطر مباشر على قضية السلام والأمن والتعاون الدولي. والتأثير الكبير على العلاقات بين الدول وعلى آفاق الانفراج وتحسين العلاقات بين البلدان والشعوب.ومن أهم عناصر الهيمنة للمذهب العسكري للولايات المتحدة وبلدان حلف الناتو يتمثل في ممارسة سياسة قوامها إنشاء القواعد والمرتكزات العسكرية في أراضي الغير وإبقائها في حالة تأهب قتالي مستمر، وإبقاء وحدات عسكرية مجهزة بشبكة متطورة ترتبط بمراكز الاتصالات ونقاط التجسس وإدارة القوات والتموين في أراضي الغير وخاصة قرب حدود الدول التي تريد سلبها واحتلالها ونهب خيراتها.
إن المذهب العسكري الأميركي هو وليد وإيديولوجيات رجعية وسياسية توسعية والرأسمال الاحتكاري. وعلى امتداد تاريخها المذهب يهدف إلى ضمان مطامعها العدوانية، وأبشع صوره تجلت بعد الحرب العالمية الثانية حينما أخذت تتبع في سياستها الخارجية نهجاً للسيطرة على العالم.
و أصبحت الولايات المتحدة التي تمتلك تفوقاً ساحقاً في الميدان الاقتصادي، و المجال العسكري، أصبحت تتزعم منظومة أحلاف عسكرية سياسية عدوانية هي أنشأتها، وتعتبر ان (القوة العسكرية ) لحل القضايا الدولية أنجع دواء، ففي بداية الخمسينات صاغت مذهب عسكري خلاصته " الانتقام النووي " التي نودي بها رسمياً آنذاك. وتنص على شن حرب نووية شاملة ضد البلدان التي ترفض الإذعان لأوامرها والقواعد عسكرية معدة في عدد من المناطق للضرب بقسوة. وكان الهدف النهائي بالاعتماد على القوة النووية، تصفية المنظومات الاشتراكية العالمية وقمع حركات التحرر الوطني وإعادة بسط الهيمنة على العالم كله. وكانت الاستراتيجية الأميركية المغامرة ترتكز على ثقتهم فيما وراء المحيط بأنها سوف تتمكن من الاحتفاظ لأمد طويل باحتكارها للسلاح النووي، وعلى التهديد باستخدامه أو استخدامه فعلاً، لإرغام جميع البلدان والشعوب على الانصياع لإرادة الولايات المتحدة الأميركية.ولها تأثيراً على حلفائها في حلف الناتو، الساعون أبدا لجهوزية سريعة لتحضيرات عسكرية تتجاوب مع مصالح البنتاغون.
نجاحات (الاتحاد السوفييتي) في مضمار غزو الفضاء واستخدام الطاقة النووية وصناعة الصواريخ وتنامي اقتصاده وتوطيد قدرتها الدفاعية، فقدت الولايات المتحدة احتكار السلاح النووي، إن هذين العوامل جعلت القيادة العسكرية السياسية الأميركية ففي نهاية الخمسينات أعادت النظر في مذهبها العسكري ليكون متناسب مع وضع دولي متغير وتناسب قوى فعلية في العالم.
ونتيجة ذلك كان قرار الولايات المتحدة في أواخر /1961 /استراتيجية مفادها" المرونة". في ردود الأفعال ولعلها استراتيجية عدوانية موجهة، فكانت ، شأن سابقتها، ترتكز على "مواقع القوة" بالرغم من وجود توازن سوفييتي أمريكي في الوسائل العسكرية الاستراتيجية.وأفرد الموقع الرئيسي في الاستراتيجية الجديدة للحرب النووية الشاملة ولمتطلبات التحضير لها سواء من قبل الولايات المتحدة وقواتها المسلحة أو من قبل بلدان حلف الناتو وسائر الأحلاف العدوانية الإمبريالية. ولكن هذه الحرب لم تعد تعتبر الوسيلة الوحيد لبلوغ أهداف السياسة الخارجية للإمبريالية الأميركية. وطرحت مبررات للإستعداد المكثف لشن حروب على حركات التحرر الوطني. وفي هذه الاستراتيجية ًإقامة قواعد لقوات أميركية في أراضي الغير وللأساطيل البحرية الحربية النائية، في مياه الغير. وأولت اهتمام خاص لبناء قواعد ومواقع صاروخية في البلدان المتاخمة لحدود منظومات اشتراكية. ولإقامة شبكة من نقاط التجسس في أوروبا والشرق الأوسط وجنوب شرقي آسيا ومنطقة الشرق الأقصى. وبشكل دوري و على نطاق واسع كانت هناك طائرات استراتيجية أميركية تحمل قنابل نووية قرب حدود الاتحاد السوفييتي، ودوريات في مياه أجنبية تقوم بها غواصات نووية حاملات لصواريخ أميركية ترابط في البحر الأبيض المتوسط وشرقي المحيط الأطلسي وغربي المحيط الهادي.
وفي أواخر الستينات جرت مجدداً مراجعة للمذهب العسكري الأميركي، وكان النزوع الأول هو استمرار تفاقم الأزمة العامة للرأسمالية. والمساعي الإمبريالية لم تفلح في استخدام العدوان وأعمال التخريب لتغيير القوى في العالم لصالحها. وقد أخفت مخططاتها في الهند الصينية، وتبين عدم منفعة سياسة "الحرب الباردة".
وقد تجسد سعي الولايات المتحدة لتعديل مذهبها العسكري لمراعاة متغيرات القوى العالمية، وتجسدت القرارات فيما يسمى “الردع العقلاني" التي نودي بها رسمياً عام 1971. وأصبحت استراتيجية المذهب العسكري وهي تمارس تأثيراً كبيراً على سياسة جميع بلدان الناتو وعملية البناء العسكري فيها.
وتقوم هذه الإستراتيجية "الردع العقلاني" على ثلاثة مبادئ هي:
1- التفوق الاستراتيجي للقوات
2- التحالف والإسهام العسكري لحلفاء الولايات المتحدة
3- التفاوض استناداً إلى القوة.
ومن تلك البنود نجد الهدف ترسيخ الدور القيادي للولايات المتحدة في الأحلاف العسكرية واستخدام موارد الحلفاء المادية والعسكرية والبشرية على نحو متكامل في التحضيرات العسكرية
يعار اهتمام كبير لسياسة الأحلاف، ولتعزيز الناتو خاصة، تتخذ محاولات لتشكيل أحلاف متعددة مؤقتة أيضا عدوانية لبسط الهيمنة على العالم وفي المعاداة السافر لأعداء الولايات.
إن استراتيجية "الردع العقلاني"، شأن سائر المذاهب الاستراتيجية الرسمية السابقة، تنص على الاحتفاظ بـ "الوجود العسكري الشامل" للولايات المتحدة ومواصلة تطوير مرتكزاتها العدوانية وخاصة في أوروبا الغربية والشرق الأوسط وآسيا، وتعزيز القواعد العسكرية القائمة وإقامة قواعد جديدة، وخاصة في مناطق مثل المحيط الهندي وجنوب آسيا وغيرها.
ولذا فقط رافق إقرار الاستراتيجية الجديدة إحداث زيادة في الاعتمادات الأميركية المخصصة لشبكة قواعدها فيما وراء البحار والشروع ببناء جملة من المشاريع الجديدة في أراضي الغير وتحديث غالبية القواعد العسكرية المقامة في الخارج سابقاً. ويدل ذلك كله على النوايا الاستراتيجية للإمبريالية لم تتغير، وإن الإمبرياليين ما زالوا في الظروف المستجدة يفردون للقوة المسلحة الدور الرئيسي في تحقيق أهداف سياستهم الخارجية.عند إلقاء نظرة تاريخية على "استراتيجية القواعد" الإمبريالية نجد أن جذورها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالسياسة الاستعمارية للإمبريالية. وكانت هذه الاستراتيجية،في واقع الحال، نابعة من سياسة الاغتصاب الاستعماري ومازالت اليوم وليدها المسخ إسرائيل .و المستعمرون عند اغتصابهم أراضي الغير واحتلالها يسعون إلى ترسيخ أقدامهم هناك لأمد طويل. وتحقيقاً لهذا الغرض وبحجة الدفاع عن "مصالحهم المشروعة" يقيمون في قطاعات مختلفة من الأراضي المحتلة نقاط ارتكاز وحصوناً وقلاعاً وأرصفة وموانئ مجهزة لسفنهم العسكرية ومستودعات الذخائر و للوقود. و ترابط في هذه المواقع وحدات عسكرية كبيرة من قوات الاحتلال مهمتها الدفاع عن الحصون والقواعد، وقمع تحركات الجماهير ، وتنظيم حملات تنكيلية ضد "العصاة المحليين" واغتصاب المزيد من الأراضي بقوة النار والسلاح. آسيا و سائر القارات، المستعمرون "يطلعون" الشعوب على "حضارة" الغرب بقوة المدافع والحراب والسياط.وعقب ذلك لم تكف الدول الغربية عن استخدام القواعد العسكرية على نطاق واسع للحفاظ على قوتها و هيمنتها في المستعمرات والبلدان التابعة ولصيانة خطوط المواصلات بين الدول الاستعمارية ومستعمراتها والممتدة لآلاف الكيلومترات، و المنافسة في الاغتصاب وتوسيع دائرة النفوذ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
estqsa.info
المنسق العام
estqsa.info

عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 04/06/2011

قواعد الإمبريالية أداة العدوان Empty
مُساهمةموضوع: رد: قواعد الإمبريالية أداة العدوان   قواعد الإمبريالية أداة العدوان Emptyالسبت يونيو 11, 2011 2:38 pm

مابعد الحرب

الحرب العالمية الثانية كانت فيصلا لـ "نهج القواعد" على زخم جديد لتطورها. فإن الأوساط الحاكمة في الولايات المتحدة وطغمتها العسكرية الرجعية، سعياً منها لضمان تحقيق مطامع الاحتكارات الأمريكية في السيطرة على العالم، واصلت سياسة توسيع شبكة القواعد العدوانية الشاملة. وكان الهدف من وراء ذلك هو قيام القوات المسلحة الأمريكية بعمليات عسكرية ضد الدول المحبة للسلام حيثما كانت. وأصبحت هذه الشبكة، علاوة على قواعد الدول الإمبريالية الأخرى التي انضمت إلى مختلف الأحلاف العسكرية العدوانية وعقدت اتفاقيات ثنائية مع واشنطن، أصبحت تحيط بالقارات والمحيطات كنسيج العنكبوت. وقد حولت مناطق شاسعة تضم أراضي دول عديدة إلى مرتكزات عسكرية للإمبريالية الأمريكية، ونذكر منها مثلاً وسط أوروبا الغربية وحوض البحر الأبيض المتوسط وجنوب شرقي آسيا وغيرها.
وفي تلك الآونة حاول البروفيسور الأمريكي كيفير المختص في السياسة الطبيعية التنبؤ بالنزاعات العسكرية المقبلة وزعم أن ساحة الحرب المقبلة ستكون العالم كله. ومضى يقول أن مهمة أمريكا في هذه الحالة هي أن تضمن لنفسها أكبر قدر ممكن من المرتكزات الاستراتيجية وإعداد قواتها بحيث تكون قادرة على الاحتفاظ بهذه الأراضي. وكان على هذا الرأي العديد من استراتيجيي البنتاغون الذين اعتبروا أن شبكة القواعد والمرتكزات المقامة فيهما وراء البحار تمنحهم، بشكل يكاد يكون آلياً، إمكانية التأثير باستمرار ودون عقبات على أنأى المناطق عن أمريكا وضمان مصالح الولايات المتحدة في أية "بقعة ملتهبة" في العالم.
ولا يخفى المخططون الأمريكان حالياً أن "استراتيجية القواعد" مثلها مثل مجمل استراتيجية "الردع العقلاني" كان موجهة في المقام الأول ضد الاتحاد السوفييتي السابق وسائر البلدان الاشتراكية وضد القوى الديمقراطية وحركة التحرر الوطني في العالم أجمع. وفي ذات الوقت فإن هذه الاستراتيجية تهدف أيضاً إلى مواصلة الضغط على حلفاء أمريكا الأصغر والبلدان والأنظمة التابعة لها, والاستمرار في إتباع سياسة الاستعمار الجديد وممارسة التوسع الاقتصادي ضد الشعوب والبلدان الأخرى.
وثمة أمر آخر على قدر كبير من الأهمية. فإن القوى الرجعية الأمريكية والتجمع العسكري الصناعي، عندما تعمد إلى إقامة القواعد والقوات خارج الولايات المتحدة. بل وخارج القارة الأمريكية أساساً، فإنها تأمل أن تدرأ عن أمريكا في حالة الحرب جزءاً من الضربة المضادة التي تنزلها البلدان المتعرضة للهجوم وإلقاء جزء كبير من أعباء التضحيات والدمار على عاتق حلفاء الولايات المتحدة الذين تتواجد القواعد الأمريكية في أراضيهم وجرهم إلى المشاركة في الحرب تلقائياً.
ما هي شبكة القواعد والمرتكزات الإمبريالية المقامة في أراضي الغير حالياً؟
تشكل أساس هذه الشبكة الواسعة قواعد الجيش والطيران والبحرية الأمريكية. وتمتلك وزارة الحربية الأمريكية (البنتاغون) زهاء ألفي منشأة عسكرية في أكثر من ثلاثين بلداً، علما بأن 340 من هذه المواقع تعتبر، طبقاً لمواصفات البنتاغون، قواعد أساسية أو ضخمة. ويرابط بشكل دائم في هذه القواعد زهاء ربع منتسبي القوات المسلحة الأمريكية، أي قرابة 500 ألف جندي وبحرا وضابط. توجد هناك خمس من الفرق النظامية الثلاث عشرة للجيش الأمريكي وحوالي 1500 من طائرات سلاح الطيران . ويوجد في المياه الأجنبية والموانئ والقواعد البحرية المقامة على أراضي الغير اثنان من أساطيل العمليات وعدد من التشكيلات وما يربو على 250 من سفن القتال والمساندة التابعة للأسطول الحربي الأمريكي ووحدات من مشاة البحرية الأمريكان
وتعتبر بلدان أوروبا الغربية وحوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأقصى وجنوب شرقي آسيا وكذلك منطقة البحر الكاريبي أكبر مناطق تمركز القواعد الأمريكية فيما وراء البحار.
وقد أقامت الولايات المتحدة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية وبعدها أوسع شبكات قواعدها ومرتكزاتها في أوروبا الغربية وحوض البحر الأبيض المتوسط. فعلى أراضي ألمانيا الغربية وحدها يربو عدد المنشآت العسكرية الأمريكية على المائتين. ويتمثل أساس هذا التركيب القواعدي للبنتاغون بأوروبا في المنشآت العسكرية الاستراتيجية التي توجد، علاوة على ألمانيا الغربية، في بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا واليونان وتركيا وإيسلنده وبلجيكا وهولندا والدنمرك وبلدان أخرى.
وللبنتاغون أكثر من خمسين قاعدة عسكرية كبيرة ومئات من المنشآت الأخرى في اليابان, ومن بينها القواعد الموجودة في أوركيناوا. وتوجد عشرات من القواعد الأمريكية الضخمة في كوريا الجنوبية وتايوان (فرموزة) والفلبين وتايلاند واستراليا،وفي العديد من الجزر الواقعة في الجزء الغربي من المحيط الهادي وفي المحيط الهندي.
لدى الطغمة العسكرية الأمريكية عدد كبير من القواعد والمنشآت العسكرية الأخرى في نصف الكرة الغربي. وندرج ضمن هذا العدد أهم منطقة لتمركز القواعد الأمريكية كمنطقة قناة بنما والقواعد العديدة في البحر الكاريبي ومختلف المنشآت العسكرية في جزر برمودا وباهاما وغيرها وشبكة القواعد الهامة في كندا وخاصة في الشمال الغربي منها.
وتقول مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبوت" أن عدد منتسبي القوات المسلحة الأمريكية المرابطين في هذه المناطق هو كالآتي: أكثر من 300 ألف شخص في أوروبا الغربية و 155 ألف في غربي المحيط الهادي والشرق الأقصى و 15 ألفاً من بلدان أمريكا اللاتينية وحوض الكاريبي وزهاء عشرين ألفاً في مناطق أخرى*.
من المعروف أن البنتاغون قام في السنوات الأخيرة بإحداث بعض التخفيض في تعداد قواته في الخارج (الأمر الذي تطبل وتزمر له الدعاية الغربية عموماً والأمريكية خاصة). ففي أواخر عام 1973 وبعد إجراء التخفيض ربا تعداد هذه القوات على مليون شخص. وقد يبدو للوهلة الأولى أن هذا برهان أكيد على إعادة النظر في دور وأهمية "استراتيجية القواعد". ولكن القضية في الواقع بسيطة للغاية، إذا أن التخفيض المذكور جرى، بالدرجة الأولى، نتيجة انسحاب القوات المسلحة الأمريكية في فيتنام الجنوبية (عام 1972 كان عدد الجنود والضباط الأمريكان هناك يقرب من 173 ألفاً، وقبل هذا التاريخ زاد تعداد جيش الغزو الأمريكي في الهند الصينية على 500 ألف). كما جرى بعض التخفيض بفضل اعتماد ما يسمى بـ "نظام التدوير" بأن تكون القطعات القتالية والتشكيلات الكاملة المخصصة للقيام بدور النسق الأول في العمليات العسكرية على مسارح وراء البحار (في أوروبا الغربية مثلاً أو في الشرق الأقصى). أن تكون لها قاعدتان، حيث يرابط جزء من منتسبيها (لواء واحد في الغالب) في المواقع المتقدمة بشكل دائم، وتتواجد هناك أيضاً مجموعة كاملة من الأسلحة ومعدات القتال الثقيلة المخصصة للتشكيلة بأكملها، أما الأولوية والكتائب المتبقية فهي ترابط في الولايات المتحدة وتكون على كامل الاستعداد للانتقال جواً على الفور إلى "المنطقة المخصصة" لها عند ظهور خطر يهدد مصالح الإمبريالية.
وثمة جانب آخر ليس قليل الأهمية أدى إلى إجراء نوع من التخفيض في تعداد القوات الأمريكية في أراضي الغير. ونعني بذلك جعل الخدمة العسكرية مقتصرة على المحترفين فقط منذ صيف عام 1973. إن وجود جيش وأسطول قوامهما الجنود والبحارة والعرفاء العاملون وفق عقود طويلة الأمد يؤدي. بطبيعة الحال، إلى نوع من التخفيض في تعداد القوات المسلحة ويقلل الحادة السنوية إلى المجندين الجدد، ويتيح إمكانية حل مهمات الحفاظ على المستوى المطلوب في مجال إعداد منتسبي القوات المسلحة مع إنفاق وقت أقل لتعليمهم في المراكز التدريبية وقواعد التهيئة الأولية ومراكز التجنيد.. الخ.. وبعبارة أخرى فإن هذا النظام يمكن القيادة من تحقيق مستوى مقارب للمستوى السابق في الاستعداد القتالي لقواتها المسلحة بحجم أصغر من القوات العامة. ويجدر بالذكر أن هذا الوضع أتاح للبنتاغون الإمكانية في الأعوام الأخيرة لكي يسحب من أوروبا الغربية والشرق الأقصى وغيرهما من مناطق مرابطة لقوات الأمريكية في الخارج جزءاً من القطعات التدريبية ومراكز إعداد القوات الأمريكية في الخارج جزءاً من القطعات التدريبية ومراكز إعداد القوات وبعض قطعات المؤخرة والاسناد وغيرها، وهذا أثر بدوره على التعداد الإجمالي للقوات الأمريكية في الدول الأجنبية.
ومع إجراء هذه العمليات فإن البنتاغون لم يخفض قواته في بعض المناطق بل زاد من تعدادها. فقد ازداد خاصة تعداد التشكيلات القتالية الأمريكية بألمانيا الغربية، حيث ذكرت مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أنه ورلد ريبورت" أن البنتاغون نقل إليها عامي 1975ـ 1976 لواء معززاً، ثم لواء أخر قوامهما الإجمالي 11 ألف جندي وضابط. وخلال الأعوام الأخيرة لم يتم إغلاق أي من القواعد العسكرية الأمريكية الضخمة في الخارج، أو أي من المنشآت العسكرية الاستراتيجية (يستثنى من ذلك بطبيعة الحال. المنشآت التي أرغم الأمريكان على الجلاء عنها بسبب تغير النهج السياسي لبعض البلدان ونضالات الجماهير ضد الإمبريالية). والأنكى من ذلك أن البنتاغون أنشأ خلال الآونة الأخيرة جملة من القواعد العسكرية الكبرى في أراضي الغير وخاصة في حوض المحيطين الهندي والهادي وفي الشرق الأوسط.
وهكذا نرى أن مزاعم بعض القادة السياسيين والعسكريين الأمريكان وعدد من أبواق الدعاية الغربية حول "المبادرات السلمية" للولايات المتحدة في مضمار "استراتيجية القواعد" إنما هي ادعاءات لا أساس لها من الصحة. بل إن حملة تشن في الكونغرس الأمريكي وعلى صفحات الجرائد وموجات الأثير تدعو إلى توسيع القواعد العسكرية القائمة وبناء أخرى "في أقرب فرصة" وإعادة بناء بعض المنشآت التي جمدت مؤقتاً، وإرسال المزيد من عمارات السفن الحربية وأسراب الطائرات والقوات البرية إلى عدد من المناطق. ولتبرير ذلك تطلق أكاذيب تزعم بوجود "ضرورة قصوى" لإبداء "مقاومة حازمة" لما يزعم بأنه "تصعيد خطر" للقدرة العسكرية السوفييتية في البحر الأبيض المتوسط والمحيط الهندي وغربي المحيط الهادي وفي أفريقيا والبحر الكاريبي ومناطق أخرى. ففي الولايات المتحدة تناقش بإصرار متزايد مسألة إنشاء تشكيلة بحرية أمريكية عاملة باستمرار في المحيط الهندي "على غرار الأسطول السادس في البحر الأبيض المتوسط" ويراد لهذه التشكيلة أن ترابط في القواعد الأمريكية الموجودة فعلاً، أو التي يجري إنشاؤها في الخليج العربي وقاعدة في جزيرة دييغو ـ غارسيا.
إن هذه الإجراءات، شأن "استراتيجية القواعد" الإمبريالية عامة، تطلب مبالغ طائلة. وقد أشار تصريح أدلى به سايمنغتون في لجنة شؤون القوات المسلحة بمجلس الشيوخ إلى أن المبالغ التي أنفقتها وزارة الحربية خلال السنوات العشر الأخيرة على القواعد المقامة ولتحديثها أو لإنشاء قواعد جديدة، وعلى إعالة وإعداد القوات الأمريكية وقوات الأسطول في الخارج، كانت تصل سنوياً إلى زهاء 30 مليار دولار منها أكثر من 17 مليار تنفق على القواعد والقوات الأمريكية المتواجدة في البلدان الأوربية الأعضاء في حلف النانو.
وعلاوة على ذلك فإن مبالغ ضخمة تنفق لهذه الأغراض عن طريق مجلس الناتو والقوات المسلحة الموحدة لهذا الحلف، وكذلك مباشرة من ميزانيات البلدان الأعضاء في الناتو وغيره من الأحلاف العدوانية.
إن هذه النفقات الطائلة تشكل عبئاً ثقيلاً للغاية يرهق كاهل الناس البسطاء ليس في الولايات المتحدة وألمانيا الغربية وبريطانيا وغيرها من الدول الإمبريالية فحسب بل، وفي البلدان التابعة لها. وتؤدي إلى تدهور الأوضاع المادية للسكان وتقليص الاعتمادات المخصصة للاحتياجات المدنية والبرامج الاجتماعية والصحة والتعليم.
إن العديد من القواعد هي حاميات عسكرية كبرى ذات منشآت معقدة ومناطق واسعة محظورة في أراضي الغير. ووجود هذه القواعد يشكل انتقاصاً للسيادة الوطنية، مما يثير استياء مشروعاً لدى السكان. زد على ذلك أن الأراضي التي تخصص للقواعد غالباً ما تكن من خيرة الأراضي الخصبة الصالحة للزارعة. فعلى سبيل المثال تحتل قاعدة كلارك ـ فيلد العسكرية الأمريكية في الفليبين مساحة تساوي مساحة واحدة من أكبر مدن العالم، وهي لندن، وهي مقامة على أخصب الأراضي في جزيرة لوسون. وقد صودرت من الفلاحين قطع كبيرة من الأراضي لتقام عليها القواعد العسكرية الأمريكية في أضنة بتركيا وتوريخون في إسبانيا وميسافا ويوكوتا وغيرهما باليابان. وثمة وضع مماثل في البلدان الأخرى التي توجد على أراضيها مرتكزات عسكرية للبنتاغون، وذلك بالرغم من حاجة هذه البلدان الماسة إلى الأراضي، وبالرغم من أن فلاحي هذه البلدان مضطرون إلى خوض كفاح مرير مع الطبيعة، وهم يكدون آناء الليل وأطراف النهار للحصول على لقمة العيش.
وعلاوة على الولايات المتحدة التي تحدثنا عن قواعدها العسكرية فإن أقرانها في الأحلاف العسكرية العدوانية، أي بريطانيا وألمانيا الغربية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا وسائر الدول الإمبريالية. يشاركون بنشاط في السياسة الرجعية الاستعمارية الجديدة.
وكما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة فإن لغالبية الدول المذكورة جيوشاً جرارة (يصل التعداد الإجمالي لجيوش بلدان حلف الناتو إلى زهاء خمسة ملايين شخص)، وهي تنفق جزءاً كبيراً من ميزانياتها للاستعدادت العسكرية، ولها قواعد وقوات في أراضي الغير. وبالرغم من أن هذه القواعد لا تضاهي قواعد البنتاغون من حيث العدد فإنها تشكل أيضاً مصدر خطر عسكري يهدد قضية السلام، خاصة وإن الاستعدادات العسكرية للدول الأمبريالية تجري. إلى حد كبير، وفق خطط منسقة وتكون في الغالب تحت القيادة المباشرة للأوساط السياسية والعسكرية الأمريكية.
إن انجلترا،وهي من أقدم الدول الاستعمارية في العالم، قد كونت بواسطة الغزوات والحروب اللصوصية إمبراطورية استعمارية مترامية الأطراف، وظلت طوال قرون عديدة تنهب ثروات شعوب العشرات من البلدان في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية ومناطق أخرى. وقد كانت الأداة الأولى التي استخدمتها انجلترا لبسط نفوذها تتمثل في القوة العسكرية وممارسة أبشع أنواع القمع ضد الشعوب والبلدان الأخرى. وأنشأت الامبراطورية البريطانية، خلال فترة تسلطها الاستعماري، العديد من القواعد العسكرية والمرتكزات ونقاط الاتصال ومراكز التموين، وكانت لها قدرات وأساطيل في مختلف بقاع العالم.
وكان أساس الجبروت البريطاني فيما وراء البحار متمثلاً في قواعد كبرى مثل هونع كونغ وسنغافورة بآسيا وسايمنستاون في جنوب أفريقيا وترينكومالي في المحيط الهندي وجبل طارق ومالطا وفاماغوستا في البحر الأبيض المتوسط وكينغستون في حوض البحر الكاريبي وكثر غيرها. وحاولت الإمبريالية البريطانية عن طريق إقامة هذه القواعد وحشد قوات غفيرة فيها أن تملي إرادتها على مناطق العالم بأكملها.
إن انهيار الإمبراطورية الاستعمارية البريطانية بفعل النهوض الجبار لحركة التحرر الوطني في المرحلة الأخيرة من الحرب العالمية الثانية والسنوات التي أعقبتها، وبعد أن ألحقت قوات التحالف المعادي للهتلرية هزيمة نكراء بالفاشية الألمانية والعسكرية اليابانية، أدى إلى تقويض قدرات الرأسمال الاحتكاري البريطاني. وفقدت بريطانيا عدداً من أهم الأسواق ومصادر الخامات الاستراتيجية والمرتكزات والقواعد العسكرية.
بيد أن بريطانيا ما برحت تحتفظ بعدد من قواعدها الجوية والبحرية ومنشآت أخر في مالطا وقبرص وجمهورية جنوب أفريقيا وسنغافورة، ولها قلعة هامة في البحر الأبيض المتوسط هي جبل طارق، علاوة على تسلطها على قواعد عسكرية في جامايكا وعدد من الممتلكات الاستعمارية في أمريكا اللاتينية. وتولى الدوائر العسكرية البريطانية اهتماماً كبيراً لتعزيز مواقعها العسكرية في الخليج العربي، حيث انشئت ووسعت قواعد الشارجه ومسقط ويجري التحضير لإقامة منشآت عسكرية جديدة. وتستمر عملية البناء العسكري في جزر المحيط الهندي وخاصة في جزر سيشيل وكوكس ومصيره والدبرة.ويشترك البريطانيون مع البنتاغون في بناء قاعدة دييغو ـ غارسيا. وترابط في غالبية القواعد البريطانية قطعات ضخمة من القوات المسلحة وبينها وحدات مشاة البحرية والوحدات الخاصة المعدة للقيام بعمليات تنكيلية ولمحاربة قوى التحرر الوطني والحركات الوطنية.
وما زالت فرنسا أيضاً تحتفظ بجزء من قواعدها العسكرية في أراضي الغير. وللقوات الفرنسية عدد من المنشآت في أراضي جمهورية ملغاشيا وجزيرة ريونيون في المحيط الهندي وفي عفار وعيسى (جمهورية جيبوتي حالياً) وفي شرقي أفريقيا وحوض البحر الكاريبي ومناطق أخرى.
وخلال السنوات الأخيرة عمدت أوساط معينة في ألمانيا الغربية وقيادتها العسكرية إلى زيادة نشاطاتها في هذا المجال بشكل ملحوظ. ومنذ أكثر من عشر سنوات تشترك الأوساط العسكرية الألمانية الغربية في استخدام قواعد عسكرية في كندا وبريطانيا وجزيرة صقلية الإيطالية وفي جزيرة كريت. وتبحث هذه الأوساط بإصرار عن فرص للتغلغل في بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب شرقي آسيا. وتستخدم لتحقيق هذه المآرب الأسلحة والمعدات العسكرية التي تستوردها بعض البلدان النامية من ألمانيا الغربية، وإيفاد مستشارين ومدربين من القوات المسلحة الألمانية الغربية لتدريب جيوش بلدان أخرى، وغير ذلك من أشكال التغلغل.
إن قادة بكين يجدون اليوم تفاهماً متبادلاً متعاظماً مع غلاة الأوساط الرجعية الإمبريالية في مجال تنفيذ "استراتيجية القواعد"، كما في العديد من القضايا الأخرى. ولا يقتصر الزعماء الصينيون على تأييد هذه السياسة الإمبريالية وبذل جهود كبيرة لوضع العراقيل أمام حركة التحرر الوطني وجميع الشعوب المحبة للسلام في نضالها ضد السياسة الإمبريالية التي تتبعها الولايات المتحدة وحلفاؤها، بل أنهم يسعون على نطاق متزايد لضمان مواقعهم العسكرية في أراضي الغير ببلدان أجنبية. ومن الشواهد على ذلك ما قامت به زعامة بكين أثناء النزاع الهندي الباكستاني في كانون الأول (ديسمبر) 1971، ودعمها للزمر المعادية للثورة ومختلف القبائل المتمردة في عدد من بلدان جنوب شرقي آسيا. ومن الأمثلة البليغة في هذا المضمار ما قامت به بكين شتاء 1975ـ 1976 في أنغولا، حيث دعما عسكرياً مباشراً للتكتيلات الإنشقاقية الموالية للإمبريالية وزودتها بكميات ضخمة من الأسلحة، وأوفدت إلى هناك أعداداً كبيرة من العسكريين تحت ستار العمل كمستشارين وخبراء في تقديم المساعدة العسكرية. وقد تمت هذه العمليات كلها باتصال وثيق مع الولايات المتحدة وبريطانيا اللتين حاولتا بكل ثمن إعاقة شعب أنغولا عن سلوك سبيل الاستقلال والسيادة الحقيقي.
إن سياسة التوسع الإمبريالية و"استراتيجية القواعد" المسخرة لخدمتها تمارسان تأثيراً وخيم العواقب على اقتصاديات البلدان التي تتخذ مسرحاً لهذه الاستراتيجية. فإن وجود القوات والقواعد العسكرية في أراضي الغير يتيح للإمبرياليين الفرصة لكي يمارسوا بطمأنينة استغلال البلدان التابعة ونهب ثرواتها الطبيعية وتقويض اقتصادها. وقد كتبت مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبورت" الأمريكية بهذا الصدد تقول إن لوجود القواعد الأمريكية في بلدان أخرى مردوداً لا يقتصر على الجانبين الاستراتيجي والسياسي بل أنه يعطي ثماراً اقتصادية كبيرة وهذا، على حد تعبير المجلة، أمر عظيم الأهمية في ظروف المتاعب وعدم الاستقرار القائمة حالياً. وحينما يحاول سكان البلدان التي توجد على أراضيها قوات وقواعد أجنبية حماية حقوقهم والذود عن سيادة بلدهن فإن الطغمة العسكرية الأجنبية لا تتورع عن اللجوء إلى السلاح لقمع المظاهرات والاجتماعات ولمحاربة المضربين، وإذا لم يجد ذلك نفعاً فإنها تعمد إلى نقل إمدادات من القوات وممارسة الغزو والاحتلال.
هكذا كان الحال خريف عام 1956 حينما شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل العدوان الثلاثي على مصر رداً على القرار المشروع الذي اتخذته الحكومة المصرية بتأميم قناة السويس. وصيف عام 1958 قامت الولايات المتحدة الأمريكية، بالتواطؤ مع بريطانيا، بغزو مسلح في لبنان والأردن، نظراً لأن النشاطات المناهضة للإمبريالية في هذه المنطقة أخذت تهدد مصالح الاحتكارات الأمريكية والبريطانية. وهكذا بالضبط تطورت الأحداث في غيانا البريطانية (غايانا حالياً) عام 1964 وفي جمهورية الدومنيك عام 1965 وفي بلدان أخرى. ولكن سياسة استخدام القواعد والقوات الأجنبية لقمع القوى الديمقراطية والتحررية الوطنية تجلت بأبشع صورها في الهند الصينية حينما عمد الأمبرياليون الأمريكان، سعياً منهم للحفاظ على أهم المرتكزات الاستراتيجية بأي ثمن، إلى شن حرب عدوانية دموية أثارت سخطا مشروعاً في أوساط الرأي العام العالمي، بما في ذلك لدى القوى التقدمية في الولايات المتحدة ذاتها.
إن الأهداف السياسية والاقتصادية والعسكرية البعيدة المدى التي تتوخاها قوى العدوان الإمبريالي من وراء "استراتيجية القواعد" تثير قلقاً وسخطاً مشروعين لدى أوسع الجماهير في البلدان التابعة. وإن التصرفات اللاأخلاقية بل والاجرامية العديدة التي يقوم بها أفراد القواعد العسكرية الأجنبية المتمتعون في أحوال كثيرة، يحقون الحصانة، هي انتقاص من العزة القومية للسكان المحليين.
إن القواعد العسكرية هي من رواسب "الحرب الباردة" ويشكل وجودها عقبة كأداة في طريق مواصلة تحسين الوضع الدولي، وهو يتناقض مع سياسة الانفراج والتعايش السلمي بين الدول ذات الأنظمة الاجتماعية المختلفة.
لذا فإن النضال ضد "إستراتيجية القواعد" وضد السياسة العدوانية التي تمارسها القوى الرجعية الإمبريالية، يكتسب اليوم أبعاداً متعاظمة. وإلى جانب الجماهير الواسعة والأوساط التقدمية يشارك في هذا النضال أحياناً بعض ممثلي الهيئات الحكومية والتشريعية والصحفية والإعلامية في البلدان التي توجد على أراضيها قواعد عسكرية أمريكية وبريطانية وفرنسية وغيرها. ويدرك كل إنسان سديد الفكر أن وجود القوات والقواعد العسكرية في بلد أجنبي لا يساعد على تعزيز سيادة هذا البلد، ويؤدي إلى تقويض اقتصاده، وينطوي على خطر عسكري كبير.
وتشكل القوى المناهضة "لاستراتيجية القواعد" الغالبية. ولكن لا يسعنا التغاضي عن عدداً غير قليل من دعاة الإبقاء على القواعد والقوات الأجنبية، يوجد في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا الغربية والدول الإمبريالية الأخرى، وكذلك في البلدان التي غدت مسرحاً "لاستراتيجية القواعد". وغالبية هؤلاء من الساسة الرجعيين وممثلي الأوساط العسكرية الصناعية وكبار رجال الأعمال ومرتزقتهم من موظفي مختلف هيئات الإعلام. وفي عداد أنصار الإبقاء على القواعد والقوات الإمبريالية في أراضي الغير الأوساط الموالية للإمبريالية في عدد من البلدان النامية والتابعة. وتحاول هذه القوى، خلافاً للأوضاع القائمة فعلياً في العالم، إقناع المواطنين في بلدانها بأنها القوات الأجنبية ضرورية للدفاع عن هذه البلدان وحماية مصالح العالم البورجوازي كله من خطر شيوعي مزعوم. وتحاول كذلك إقناع شعوب بلدانها بأن وجود قوات أجنبية سيعود عليها بمنفعة اقتصادية كبيرة. وتزعم أن "خطر التوسع الشيوعي" يهدد هذه الدول كلها، ولا مفر منه إلا بمواصلة تعزيز التحضيرات العسكرية وزيادة القدرات الحربية "للأسرة الغربية" و"المنظومة الأطلسية".
كما يدعو إلى الإبقاء على الوجود العسكري الأجنبي بعض فئات السكان المحليين العاملين في التجارة وفي خدمة القواعد العسكرية وخاصة في الموانئ التي ترسو فيها السفن الحربية الأجنبية، أو في الحاميات التي ترابط فيها القوات الأجنبية.
بيد أن القوى التقدمية والوطنية المعبرة عن مصالح الشعب الجذرية، تدرك حق الإدراك خطورة "استراتيجية القواعد" ومجافاتها لمهمات توطيد السلام والأمن الدولي، وتنخرط بنشاط متعاظم في النضال من أجل تصفية القواعد العسكرية وجلاء القوات الأجنبية عن أراضي الغير.
الفصل الثاني
المنطقة المركزية "لاستراتيجية القواعد"
في هزيع متأخر من إحدى ليالي أوائل آب عام 1964 كان السكون يلف القرى والمزارع الممتدة بحذاء السواحل الصخرية لخليج هولي ـ لوك الاسكتلندي، وكان نور المصابيح المتناثرة على امتداد الطريق لا يرى إلا بالكاد من خلال الضباب الكثيف. وفي هذه الأثناء كانت الغواصة حاملة الصواريخ الأمريكية "أندريو جيسكون" تنطلق دون ضوضاء مبتعدة عن القاعدة العائمة "كانوبوس" التي كانت محتمية بجدرانها العالية.
وبعد بضع ساعات، حينما كانت الغواصة قريبة من المنطقة المحددة لها للقيام بدوريتها طرق باب القبطان جندي الشفرة وكان الارتباك ظاهراً عليه. سلم الجندي القبطان نص برقية استلما للتو، وكانت الورقة تحمل ثلاثة حروف فقط: ASQ . ولم يكن معنى هذه الحروف ليخفى على الرجلين، إذ أنها كانت تعنى أن الغواصة تلقت أمراً قتالياً. وطبقاً لذلك كان ينبغي أن ترتفع الغواصة إلى عمق 20 متراً وتطلق جميع ما على متنها من الصواريخ الباليستيية "بولاريس" وعددها 16 صاروخاً. وبتعبير آخر كان من المرتقب أن ينطلق من جوف المحيط، من المكان الذي تتواجد فيه "أندريو جيسكون" 16 رأساً نووياً ذا قدرة عالية مصوبة مسبقاً على مدن غربية تبعد مئات الأميال عن هذا المكان، وكان يجب أن يتم ذلك بعد مرور 15ـ 20 دقيقة من تلقي الإيعاز.في ذلك الحين كان البنتاغون يعمد إلى تسعير أوار الحرب في فيتنام، والعالم كله في قبضة "الحرب الباردة" الخطرة وهو قلق من أن تتطور النزاعات المحلية إلى حريق يلتهم العالم.
وكان قبطان الغواصة "أندريو جيكسون" قد سمع قبل مغادرته قاعدة هولي ـ لوك أن حدثاً خطيراً قد وقع قبل يومين أو ثلاثة في خليج تونكين عند سواحل فيتنام، بل وتناهب إلى سمعه أقاويل تزعم أن زوارق طوربيد فيتنامية شمالية قد هاجمت مدمرتين أمريكيتين. وقيل أن هذا الحادث حدا ببعض "الصقور" في الكونغرس ووزارة الحربية في الولايات المتحدة إلى الإدلاء بتصريحات شديدة اللهجة تطالب بشن حرب غير محدودة ضد فيتنام على الفور، ورد الصاع صاعين، بل وإلقاء قنبلة نووية على هانوي، دون تهيب مما قد يعقب ذلك.
وكما قال القبطان فيما بعد فإن المعلومات المتوفرة لديهم آنذاك كانت مبتورة، وكل ما وصل إلى علمهم أن شيئاً ما يحدث ولكن دون أن يعرفوا كنه الأمر. كانوا يشعرون أن الوضع متأزم للغاية.. ولا شيء غير ذلك.
وقد أدت الشفرة ASQ وما أعقب ذلك من أوامر أصدرها القبطان إلى كهربة الجو في حاملة الصورايخ. وأدرك أفراد الطاقم كنه ما يحدث، وبدأت في الغواصة الاستعدادات لإطلاق الصواريخ. ولم يكن أفراد طاقم الغواصة "أندريو جيسكون" وعددهم 140 شخصاً يجهلون مغزى عملية الإطلاق التي سيقومون بها إذ أن كلا من الرؤوس النووية التي كان ينبغي أن تنطلق بعد بضع دقائق متجهة إلى الهدف، إلى مدن أجنبية، كان يفوق بأكثر من ثلاث مرات قوة القنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما في آب عام 1945. وقد أودت كارثة هيروشيما بأرواح عشرات الآلاف من سكان المدينة ودمرت زهاء ثلثي مبانيها.
واضح أن البحارة الأمريكان كانوا على علم بذلك، ولكن أيا منهم، كما قال القبطان فيما بعد، لم يتردد ولم يساوره الشك في صواب ما تجني يداه. كان الجميع يعملون بهدوء وبرود استعداداً لإطلاق الصواريخ، لجريمة قتل جماعية تكون، بطبيعة الحال، إيذاناً ببدء حرب نووية مروعة.
وفي تصريح لمجلة "نيويورك تايمس ماغازين" تحدث القبطان فيما بعد عن ذكرياته فقال أنه خشي البدء أن يكون شيئاً ما قد حصل، إذ أن مثل هذه الأمور لا تحصل كل يوم. ولكنه استعاد هدوءه، وسار كل شيء على أحسن ما يرام، وكان كل فرد يؤدي عمله وكأنه أثناء التدريب.
… قبل خمس دقائق من إطلاق الصواريخ عاد جندي الشفرة يطرق باب القبطان. أخذ الضابط نص البرقية الجديدة وقرأه فارتعشت يداه. كانت الشفرة تقول أن خطأ قد حدث، وأن حالة الإنذار كانت تدريبية. وكل ما في الأمر أن جندي الشفرة في هيئة الأركان قد أخطأ في كتابة الرموز، وعوضاً عن الشفرة التي تعني الإنذار التدريبي قام ببث الحروف المشؤومة الثلاثة. ألغى أمر الإطلاق، وظلت الصواريخ في مرابضها.
حدث هذا قبل خمس دقائق فقط من الإطلاق!! ما كان يحصل لو…؟
عسير على المرء تصور ما كان ليحدث لو لم يكتشف الخطأ في هيئة الأركان، أو لو تأخرت البرقية الثانية خمس دقائق فحسب!! لو حدث شيء من ذلك لانطلق 16 صاروخاً من طراز "بولاريس" يزن كل منها عدة أطنان واحداً تلو الآخر من مرابضها، ولخرقت سطح الماء وانطلقت مدوية إلى عنان السماء الفاحمة. وما كانت الصواريخ لتستغرق أكثر من 20ـ 25 دقيقة لبلوغ الهدف وحينذاك، وإذا لم تعترضها قوات الدفاع الجوي في البلد المستهدف من قبل المعتدين، لادت إلى مصرع الملايين من البشر، ليس فقط في المدن والمناطق المصوبة إليها صواريخ الغواصة "أندريو جيكسون". إذ لو حدث ذلك لكان من المحتم أن توجه ضربة ردع هائلة خلال بضع دقائق ضد البلد الذي أشعل نيران الحرب واقترف جريمة ضد البشرية. وما كان لتسلم الدول التي جعلت من أراضيها موقعاً لقواعد العدوان الأمريكية وسمحت بتحويل موانئها إلى مراس تتخذها "أندريو جيكسون" وغيرها من الغواصات الصاروخية.
ثمة مثل إنكليزي حكيم يقول.. إذا كان بيتك من زجاج فلا ترمينّ الناس بحجر. ويصدق المثل اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهو ينطبق على البريطانيين أكثر من غيرهم.
إن خليج هولي ـ لوخ الذي انطلقت منه الغواصة "أندريو جيكسون" في رحلتها المشؤومة صيف عام 1964 يقع في الشمال الغربي من الجزر البريطانية، في منطقة تتاخم مدينة غلاسكو وهي من أكبر المدن والمراكز الاقتصادية والثقافية في اسكتلنده. وهذا الواقع مدعاة قلق العديد من البريطانيين. وبسخرية مريرة يطلق أهالي غلاسكو على خليجهم الذي كان فيما مضى هادئاً لا يعرفه أحد تسمية المغناطيس النووي الأمريكي، ولا تجانب هذه التسمية الصواب. وهم على حق حينما يقولون أنه حتى لو تعرضت هولي ـ لوك إلى غارة اعتيادية في حالة نشوب قتال لأدى ذلك حتماً إلى وقوع ضحايا ودمار في المناطق القريبة. فما بالك إذا كانت الضربة الجوابية للهجة التي تعرضت لهجوم السفن الأمريكية المنطلقة من الخليج المذكور ضربة نووية؟
إن خليج هولي ـ لوك ليس البتة "المغناطيس النووي" الوحيد الذي يمتلكه البنتاغون في الأراضي البريطانية. فقد تبقت هناك منذ الحرب العالمية الثانية العديد من هيئات الأركان الأمريكية وقطعات قتالية وهيئات المؤخرة.
وفي فترة ما بعد الحرب شيد البنتاغون هناك عدداً كبيراً من المنشآت العسكرية الجديدة، بينها زهاء عشرين قاعدة عسكرية ضخمة، وفي المقام الأول القواعد الجوية التالية: ويزرسفيلد وليكنهيث وبنتووترس ورويسليب وملدنهول وأبّرـ هيفورد وغيرها. وغالبية هذه القواعد مقامة بالقرب من كبريات المدن مثل لندن وغلاسكو وليفربول وبرمنغهام وما نجستر، الأمر الذي يثير قلقاً مشروعاً لدى الكثير من البريطانيين، وخاصة أهالي هذه المدن والمناطق القريبة منها.
إن التغيرات الكبيرة الجارية في العالم وتطور الأسلحة ومعدات القتال وإعادة النظر في بنود معينة من المذهب العسكري الأمريكي، وبخاصة إقرار استراتيجية "الردع العقلاني" المعدة لشن الحرب النووية الشاملة والاعتيادية على حد سواء، ذلك كله ينعكس إلى درجة معينة على شبكة قواعد البنتاغون في بريطانيا. فخلال السنوات الأخيرة أعيد تنظيم عدد منها لجعلها صالحة للاستخدام من قبل الأنواع الجديدة من الطائرات، وجمد العمل في عدد آخر بشكل مؤقت، ولكن الغالبية جرى تحديثها وتوسيعها وهي تستخدم بشكل مكثف حالياً لضمان نشاطات القوات المسلحة الأمريكية في أوروبا ومنطقة المحيط الأطلسي.
ويرابط في هذه القواعد الجيش الجوي الأمريكي الثالث (أكثر من ثلاثمائة طائرة قتالية وزهاء عشرين ألف عسكري) وعدد من وحدات الإسناد والمؤخرة التابعة للجيش والقوات الجوية.
ويستخدم الطيران الأميركي على نطاق واسع هنا قواعد تمتلكها القوات الجوية البريطانية ولكنها وضعت تحت تصرف القوات المسلحة الموحدة لحلف الناتو.
وللقوات المسلحة الأمريكية قواعد في بلدان أخرى بأوروبا الغربية. ويستفاد من معلومات رسمية صادرة عن وزارة الحربية الأمريكية نشرتها مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبورت" أنه يوجد حالياً في أراضي أوروبا أكثر من 300 ألف جندي وضابط أمريكي (وفي الآونة الأخيرة يتزايد هذا الرقم باطراد) منهم 220 ألفاً في القوات البرية و 70 ألفاً في القوات الجوية. ويوجد في القارة زهاء 180 قاعدة كبرى علاوة على مئات المنشآت العسكرية الأخرى*.
إن المجموعة العسكرية الأمريكية المرابطة في أوروبا الغربية هي من أكبر وحدات البنتاغون البرية وأحسنها تدريباً وتتألف من فيلقي مشاة وأربع فرق آلية ومدرعة وعدد من الألوية والأفواج المستقلة بالإضافة إلى عدد كبير من تشكيلات وقطعات التعزيز والتأمين ومن بينها ألوية وكتائب صاروخية وصاروخية مضادة للجو ومدفعية وما إلى ذلك. كما ترابط بشكل دائم في الأراضي الأوروبية ثلاثة من جيوش سلاح الجو الأمريكي وقوات بحرية كبيرة.
وحشد البنتاغون في أوروبا الغربية أكبر ترسانات الذخيرة النووية محولاً هذه المنطقة إلى مستودع نووي. وذكر الصحف الأجنبية أن الترسانة الذرية الأمريكية في أوروبا تتألف من زهاء ثمانية آلاف قطعة بينها قنابل الطائرات والعبوات والتوربيدات والقذائف المدفعية ورؤوس الصواريخ.. الخ. ويوجد عدد من هذه القطعات، كالعبوات النووية، في مخازن مخفية بدقة شيدت في ألمانيا الاتحادية وبلدان أخرى في أهم مناطق التقاء خطوط القطارات والسيارات وعند الجسور والمعابر والمضائق الجبلية وأماكن أخرى.
إن وجود هذا العدد الكبير من الذخائر النووية الأمريكية والعدد المماثل من معدات إيصالها إلى الهدف في أراضي أوروبا الغربية، يثير اليوم قلقاً متزايداً في أوساط الرأي العام الأوروبي. وفي محاولة لتبرير هذه الخطوات وتصويرها كإجراءات اضطرارية, تزعم الصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون الرجعية أن ذلك كله هو تدبير حيوي ضروري لإنقاذ أوروبا في حالة حصول "زحف من الشرق". وهذه المزاعم متهافتة لا أساس لها من الصحة إطلاقاً، الأمر الذي اضطرت حتى الصحافة الأمريكية لى الاعتراف به. فقد كتب هارش معلق صحيفة "كريستشين ساينس مونيتور" يقول: "من الخطأ الاعتقاد بأن القوات والقواعد الأمريكية متواجدة في أوروبا بوازع من الإيثار أو حب الأوروبيين. فهذا هراء بطبيعة الحال. أنها متواجدة هناك ليس بدافع الحرص المرهف على رخاء الآخرين، بل لأغراض نفعية شخصية، وبالدرجة الأولى للسهر على مصالح الولايات المتحدة في هذا الجزء من العالم الذي له أهمية قصوى لرخاء أمريكا"*.
وخلافاً للوقائع، لا تزال إحدى الذرائع التي غالباً ما تطرح لتبرير الحاجة القصوى المزعومة للإبقاء على "الوجود العسكري" الأمريكي في أوروبا الغربية بشكل مستمر، تتلخص في زعم مفتعل حول وجود "خطر دائم من قبل الشيوعية العالمية" والادعاء بأن لبلدان معاهدة وارسو "قبضة مدرعة خطرة مهيأة للانقضاض على البلدان الغربية في أي لحظة" وأن هذه "القبضة المدرعة" متواجدة عند حدود دول أوروبا الغربية.
ومثال هذه الدعاية الكتاب الذي صدر في بريطانيا عام 1974 بعنوان "أزمة الدفاع الأوروبي" والذي لم يأل مدبجوه جهداً لتخويف قرائهم بخطر هو من بنات خيالهم، حيث يزعمون أن "الأرتال الآلية الروسية" يمكن في أي لحظة أن "تكتسح السهوب الأوروبية من جهة الشرق". وبغية ترسيخ هذه الأكذوبة في ذهن القارئ يورد الكتاب شتى الحسابات والأرقام التي ينبع منها أن قوات البلدان الاشتراكية الأوروبية تفوق عدة أضعاف قوات بلدان حلف الناتو من حيث الدبابات والمدفعية والصواريخ والمعدات الحربية الأخرى، وأنها تقوم باستعدادات محمومة "لغزو الغرب" وقد عيا صبرها في انتظار لحظة البدء لتدمير الحضارة الغربية*.
إن هذه الأساليب والحجج التي تسوقها الدعاية الغربية ليست مبتكرة. فما أن وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها حتى شرعت الدول الإمبريالية، بزعامة الولايات المتحدة وتحت سترا "حماية الحضارة" من خطر "الشيوعية العالمية" المزعوم، شرعت بإنشاء شبكات أحلاف عسكرية عدوانية وإقامة شبكة واسعة متطورة من القواعد العسكرية ليس في أوروبا الغربية فحسب، بل وفي الشرق الأوسط وآسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وجزر المحيطين الهادي والهندي ومناطق أخرى. واعتماداً على هذه القواعد والقوات المتواجدة فيها وبتسعير أوار معاداة الشيوعية، سعى الإمبرياليون لتعزيز مواقعهم في المناطق الهامة الاستراتيجية وتكبيل البلدان التابعة بالمزيد من الأغلال، لكي يمارسوا على نطاق أوسع استغلال شعوب هذه البلدان وثرواتها الطبيعية والتدخل في شؤونها الداخلية وصياغة سياستها. وكانت الدعاية البورجوازية تطلق على خصوم التحكم الإمبريالي نعوت "عملاء الشيوعية العالمية" و"صنائع موسكو".
وبطبيعة الحال فإن البلدان المحبة للسلام كان لزاماً عليها أن تحرص على أمنها لمواجهة التحضيرات العدوانية الإمبريالية وتصاعد حمىّ معاداة الشيوعية. واضطرت البلدان الاشتراكية الأوروبية إلى اتخاذ تدابير معينة،وعقدت معاهدة وارشو عام 1955. وطبقاً لروح هذه المعاهدة وأحكامها الأساسية تم تأسيس القيادة الموحدة وهيئات الأركان والقوات المسلحة الموحدة للبلدان المتحالفة، وتواجد عدد من التشكيلات والقطعات السوفييتية في أراضي جمهورية ألمانيا الديمقراطية وغيرها من بلدان معاهدة وارشو. ولكن الاتحاد السوفييتي وسائر البلدان الأعضاء في معاهدة وارشو أكدت عند عقد هذه المعاهدة وفيما بعد أن هذا التحالف هو إجراء اضطراري ومؤقت، شأن سائر التدابير الدفاعية المنبثقة عنه، كما دعت البلدان الغربية وخاصة الولايات المتحدة وسائر دول حلف الناتو إلى الشروع بمفاوضات حول حل الحلفين أو حل منظومتيها العسكريتين كخطوة أولى دعما للانفراج في أوروبا والعالم أجمع.
وكان مؤتمر هلسنكي لعموم أوروبا ثمرة جهود بذلتها البلدان الاشتراكية خلال سنين عديدة، وثمرة نشاطات القوى المحبة للسلام في العالم كله والتي أيدها القادة ذوو التفكير السديد في الدول الغربية. وخلقت الوثيقة الختامية التي وقع عليها جميع المشاركين في المؤتمر، خلقت ظروفاً مؤاتية لمواصلة تعزيز السلام والتعاون القائم على علاقات حسن الجوار في أوروبا وخارجها على حد السواء.
وبالرغم من ذلك فقد ظلت بعد مؤتمر هلسنكي مجموعة من القضايا المعلقة وعلى رأسها مسألة استكمال الانفراج السياسي بانفراج عسكري.
إن الاتحاد السوفييتي وسائر البلدان الأعضاء في معاهدة وارشو تدعو بحزم إلى اتخاذ قرارات بهذا الصدد وهي تدعو بلدان الغرب مرة أثر أخرى إلى حل مسألة نزع السلاح الفعلي والتقليص المتبادل للقوات المسلحة وانسحاب القوات المتواجدة في الأراضي الأجنبية وتصفية القواعد العسكرية في أراضي الغير. وللأسف لا تجد هذه النداءات المتجاوبة مع مصالح البشرية جمعاء، الدعم اللازم من قبل الولايات المتحدة وسائر بلدان حلف الناتو. وتسعى الدوائر الإمبريالية الرجعية في هذه البلدان، بشتى السبل، لعرقلة حل مسألة الانفراج العسكري. وإن البنتاغون ومن يقف وراءه يصمون أسماعهم عن النداءات الداعية إلى انسحاب القوات المسلحة الأمريكية وتصفية القواعد العسكرية الأمريكية في أوروبا وخاصة في ألمانيا الاتحادية، بل أنهم يصمون الأسماع عن النداءات الداعية لإجراء أي تقليص ملموس في هذه القوات. ولكن تجدر الإشارة إلى أن وزارة الحربية الأمريكية اتخذت خلال الأعوام الأخيرة قرارات حول تجميد بعض منشآتها الثانوية في غرينلاند واسبانيا وبريطانيا وبلدان أخرى، وأثارت ضجة دعائية كبرى حول هذه المسألة. ولكن البنتاغون نفسه لا يخفي أنه أقدم على ذلك، بالدرجة الأولى، انطلاقاً من اعتبارات تكتيكية بحتة لأن هذه القواعد فقدت أهميتها القتالية السابقة بفعل التغيرات لجوهرية الناجمة عن الثورة الحاصلة في الميدان العسكري وظهور أصناف جديدة من الأسلحة. أما القواعد الأساسية وخاصة الواقعة في أهم المناطق الاستراتيجية المتاخمة لحدود الدول المحبة للسلام، فإنها على أهبة الاستعداد القتالي ويجري تحديثها وتوسيعها باطراد.
وينسحب هذا بالدرجة الأولى على القواعد الأمريكية في قلب أوروبا الغربية. فإن أراضي ألمانيا الاتحادية، مثلاً، هي اليوم أكبر منطقة تحشد للقوات والقواعد الأمريكية في أوروبا الغربية. وترابط هناك القوات البرية الأساسية التابعة للقيادة الأوروبية للقوات المسلحة الأمريكية، وهي فيلقا المشاة الخامس والسابع وقوامهما أكثر من 180 ألف جندي وضابط، وخيرة تشكيلاتها القتالية تدريباً وغالبية الدبابات وقطعات الإسناد الصاروخي النووي الأساسية وقوات ثانوية وغيرها. كما يرابط في ألمانيا الاتحادية الجيش الجوي السابع عشر التابع للقيادة التكتيكية للقوات الجوية الأمريكية، وهو يتألف مما يزيد على 260 طائرة قتال وأكثر من 32 ألف فرد. كما ترابط في ألمانيا الاتحادية بعض الوحدات ومؤسسات القوات البحرية الأمريكية. ويربو التعداد الإجمالي لمنتسبي القوات المسلحة الأمريكية المرابطين في أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية على 220 ألف جندي وضابط*.وتعتمد هذه القوات على شبكة واسعة من القواعد والمنشآت الأمريكية المقامة على أراضي ألمانيا الاتحادية وهي تتألف مما يزيد على 200 موقع عسكري ضخم، عدا مراكز الاتصال وقواعد النقل و مرائب السيارات والمستودعات وميادين الرماية ومراكز الاستطلاع ومواقع الإنصات الراديو تكنيكي والإنذار والاتصال
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
estqsa.info
المنسق العام
estqsa.info

عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 04/06/2011

قواعد الإمبريالية أداة العدوان Empty
مُساهمةموضوع: رد: قواعد الإمبريالية أداة العدوان   قواعد الإمبريالية أداة العدوان Emptyالسبت يونيو 11, 2011 2:52 pm

القواعد العسكرية الأمريكية

ما هي القواعد العسكرية الأمريكية في أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية؟
لنأخذ مثلاً ما يسمى بـ "المثلث الاستراتيجي" القائم على أراضي اقليمي الراين الشمالي ـ ويستفاليا وراينلاند ـ بفالتس في ألمانيا الغربية والمتكون من ثلاث قواعد جوية أمريكية متكاملة كبرى هي قواعد بيتبورغ وهآن وشبنغدالم. وقد ذكرت الصحف الأمريكية أن هذه القواعد تضم مطارات مجهزة بأحدث المعدات وبإمكانها استقبال الطائرات الحديثة على اختلاف أنواعها، بما في ذلك طائرات النقل الثقيلة للغاية "س 5 غالاكسي" و ورشات تصليح مجهزة تجهيزاً جيداً ومستودعات كبرى لخزن الوقود والذخائر (بما فيها الذخائر النووية) ومؤن أخرى. وترتبط القواعد فيما بينها ومع هيئات الأركان المسؤولة عنها بخطوط اتصال مزدوجة، ومدت أنابيب واسعة القطر لتجهيزها بالوقود. كما أشارت الصحف إلى أنه يجري خلال الأعوام الأخيرة تصعيد القدرات القتالية لهذه القواعد وبناء منشآت جديدة كما تم ترميم وتحديث عدد من المطارات وشيدت تحت الأرض عنابر جديدة و ورشات ومستودعات وخزانات وثكنات ودور سكن للجنود والضباط.
ويقوم البنتاغون بعملية بناء واسعة في العديد من القواعد العسكرية الأخرى بألمانيا الغربية، ومن ضمنها القواعد التي لا تدرج في عداد الكبريات ويندر ورود ذكر لها في الصحف ويسدل حولها ستار من الكتمان لكيلا تتناهى أبناؤها إلى الرأي العام.
وتقع إحدى هذه المنشآت العسكرية في منطقة جبلية بأقليم بافاريا في جنوب البلد، وهي نائية عن الأماكن المأهولة وتقع على سفوح جبال الألب التي تغطيها الغابات الكثيفة.
إذا سار المرء في طريق السيارات منطلقاً من ميونيخ عاصمة إقليم بافاريا باتجاه الحدود النسماوية في الجنوب فإنه سيلاحظ بعد 30ـ 35 كيلومتراً طريقاً فرعياً إلى اليمين حركة السيارات عليه قليلة. وعندما يحيد إلى هذا الطريق ويجتاز بحيرة تيغيرن الخلابة يمكن أن يشاهد في الوادي سطوح بيوت مدينة صغيرة هي باد ـ تولتس. وفي سنوات الرايخ الهتلري كان صيت هذه المدينة قد ذاع، إذ كان فيها مركز تدريبي ومدرسة ضباط قوات "اس ـ أس" وهم صفوة الجحافل الفاشية.
أما الآن فإن المرء يشاهد على امتداد الطريق عند مدخل باد ـ تولتس جداراً طويلاً وبالقرب منه يافطات كتب عليها "منطقة محظورة !! الوقوف ممنوع!!". وهناك بوابة واسعة والحجرة الزجاجية لمركز التفتيش وفحص الهويات وقد كتب عليها "ممتلكات الولايات المتحدة. أبرز هويتك. من يدخل بدون إذن يحاسب أمام القانون".
وتشاهد من خلف البوابة العديد من المنشآت القديمة والجديدة. ودور السكن ومباني الدوائر. ثم تشاهد ساحة عرضات واسعة وخلفها سلسلة من الحواجز وميدان لتدريب الكلاب. وفي وسط المنطقة صارية عليها علم الولايات المتحدة.
توجد في باد ـ تولتس قاعدة أمريكية بالغة الأهمية وهي المركز الرئيسي "للقوات الخاصة" في أوروبا. وإلى آونة قريبة كانت ترابط هنا باستمرار واحدة من أكبر تشكيلات "القوات الخاصة" وأكثرها استعداداً للقتال وهي المجموعة الخاصة العاشرة مع وسائل التعزيز. وقد خفت الضوضاء هنا بعض الشيء فنظراً لتعاظم حركة التحرير الوطني في بلدان أخرى اضطرت وزارة الحربية الأمريكية إلى نقل اثنتين من كتائب المجموعة العاشرة من ألمانيا الاتحادية إلى حامية فورت ديفيس في ولاية ماساتشوزيتس بالولايات المتحدة، حيث يقوم أفراد الكتيبتين، بمعية واحدات "القوات الخاصة" الأخرى المرابطة في أمريكا، بالتحضير على قدم وساق لعمليات تخريبية وإرهابية ليس في بلدان أوروبا والشرق الأوسط فحسب، بل وفي مناطق أخرى، علماً بأن "الأهداف الأوروبية الشرق أوسطية" ما برحت المهمة الأساسية للكتيبتين.
وما زالت توجد في باد ـ تولتس التي أصبحت مهمات قواتها الآن موجودة بالدرجة الأولى ضد أوروبا الشرقية وحوض البحر الأبيض المتوسط، الكتيبة المعززة الثالثة للمجموعة العاشرة وجزء كبير من تجهيزات الكتيبتين الآخريين لاستخدامها "للأغراض السابقة" إذا ما دعت الضرورة. ويساهم أفراد الكتيبة بانتظام في مختلف تدريبات ومناورات الجيش الأمريكي وقوات حلف الناتو في أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية والدنمارك والنروج واليونان وإيطاليا، ولأكثر من مرة كان جنود الكتيبة ينقلون بسرعة وبكامل عددهم القتالية إلى طائرات لا تحمل علامات مميزة وينزلون جواً في جزيرة كريت أو جزيرة صقلية أو أماكن أخرى. ولم يكن الجنود ولا حتى الضباط يعرفون البتة ما إذا كان هذا الإنزال تدريبياً أو أنه بداية عمليات قتالية فعلية. وعلى حد تعبير صحفية "آرمي تايمس" فإن أية عملية هي عملية قتالية بالنسبة للمخربين المرتزقة الذي يجري انتقاؤهم وإعدادهم بدقة وتعويدهم على ألا يفكروا أو يوجهوا أسئلة. وليس من قبيل الصدف أن يكون شعارهم غير المعلن هو:"نحن نعرف مائة طريقة وطريقة للقتل بصمت ومستعدون دوماً لتطبيق واحدة منها".
ويجند لوحدات وقطعات "القوات الخاصة" شقاة يتم اختيارهم بدقة، وبينهم أشخاص بلا جنسية وخونة بل وحتى مجرمون من المهاجرين الذين تركوا أوطانهم والتاذوا بأذيال وكالة المخابرات المركزية أو المخابرات العسكرية الأمريكية. ومن الأمور ذات الدلالة أن العديد من جنود "القوات الخاصة" ليسوا من مواطني الولايات المتحدة، بل وأنهم لم يقطنوا هذا البلد إطلاقاً ولا يعرفون اللغة الإنكليزية. ويرتدي أفراد هذه القوات زياً خاصاً سمته المميزة الرئيسية هي القبعة الخضراء. وكتب مراسل لمجلة "نيوزويك" تفقد قطعات "القبعات الخضر" يقول أن الأوامر تصدر في بعض الوحدات لا باللغة الإنجليزية بل بلغة البلد الذي يستعد أفراد هذه الوحدة للعمل ضده.
وتعكف كل مجموعة من "ذوي القبعات الخضر" على دراسة بلد "الخصم المحتمل" أو حتى دراسة منطقة معينة منه ولغات وعادات وأعراف سكانها وإمكانية تنظيم "حركة أنصار" هناك، أو عل العكس إمكانية محاربة القوات الوطنية والقيام بعمليات ضد الأنصار. ويتعلم هؤلاء الجنود والضباط كيفية البقاء على قيد الحياة والقيام بعمليات في أعقد الظروف: في الأدغال وأعالي الجبال، تحت لهيب الشمس الاستوائية وفي الرحاب القطبية المتجمدة، في الغابات والمستنقعات. وذكرت مجلة "نيوزويك" أن "ذوي القبعات الخضر" حينما يغادرون الحامية ويتجهون إلى موقع التدريب في قلب الغابة فإنهم يكونون أشبه بعصابة لصوص تستعد لنهب قطار بريد بوحدة عسكرية في جيش نظامي.
وقد كتبت مجلة "ميلتري ريفيو" بصراحة بالغة عن نوايا استراتيجيي البنتاغون في استخدام "ذوي القبعات الخضر" المتواجدين في باد ـ تولتس، وقالت: "إذا ما اندلعت الحرب فإن عدة طائرات أمريكية ستنطلق في ساعاتها الأولى أو حتى قبل اندلاعها، من قواعد في جنوب ألمانيا وتتجه نحو الشرق أو الجنوب الشرقي أو الجنوب. وفي الجو ستنفتح تشكيلة الطائرات كالمروحة وتأخذ كل منها طريقها، وبعد مضي وقت قليل تعبر الحدود. وستهبط من هذه الطائرات مجموعات مظليين بكامل أسلحتهم ومتفجراتهم، لينزلوا، مناطق غابات كثيفة أو أماكن جبلية وعرة في أراضي الغير. وبعد بضعة أيام سوف تنسف في مؤخرة العدو الجسور والقطارات وتشن هجمات على طوابير القوات المسلحة".
إن الوحدات التخريبية المرابطة في باد ـ تولتس شأن سائر "القوات الخاصة" لا تقتصر على الاستعداد للعمليات المقبلة، بل أنها شاركت مراراً في عمليات فعلية. وهكذا كان الحال عام 1956 حينما ساهم فريق من أفراد المجموعة العاشرة، انطلقوا من أراضي ألمانيا الاتحادية والنمسا، ساهموا بنشاط في دعم التمرد المعادي للثورة في المجر، وفي ذات الوقت نقل فريق آخر إلى الشرق الأوسط حيث قام بمساعدة القوات البريطانية والفرنسية والإسرائيلية أثناء عدوانها على مصر. وفي عام 1958 شاركت وحدات من هذه المجموعة في عمليات الغزاة الأمريكان والبريطانيين في لبنان والأردن. وقام "الخبراء" الوافدون من باد ـ تولتس بعمليات مشابهة كثيرة في الأعوام اللاحقة.
يوجد في أراضي ألمانيا الاتحادية عدد غير قليل من القواعد المماثلة التي تشكل خطراً كبيراً على شعوب الدول الأخرى وعلى سكان ألمانيا الغربية ذاتها، إذ لا يعرف أحد ماهية النوايا التي قد تعّن للبنتاغون، والمصدر الذي قد يستشعر منه الخطر والجهة التي سيختارها هدفاً يرسل لمحاربته جنوده الذين يعرفون "مائة طريقة وطريقة للقتل بصمت" ولا يستبعد أن يصبح حلفاء الولايات المتحدة ذاتهم مثل هذا الهدف.
وبالرغم من بعض التحسن الذي طرأ على الوضع في أوروبا فإن واشنطن لا تعتزم خفض قواتها وقواعدها العسكرية في أوروبا وبخاصة في جمهورية ألمانيا الاتحادية، وهي تأمل المكوث هناك مدة طويلة. وفي تصريح لصحيفة "أوفرسيز ويلى" العسكرية قال الجنرال مايكل ديفيسون القائد العام السابق للقوات الأمريكية في أوروبا، أن الولايات المتحدة تعتزم الاحتفاظ بوجودها العسكري وقواعدها في ألمانيا الغربية "طالما هي (أمريكا) بحاجة لذلك". وصدرت تصريحات مماثلة عن غيرهم من كبار القادة العسكريين والسياسيين في الولايات المتحدة. وليست هذه مجرد كلمات تقال، بل إنها تجسدت في العديد من الأفعال، وبينها عملية نقل لواء, ثم لواء آخر في قوات المشاة المعززة من الولايات المتحدة إلى ألمانيا الاتحادية عامي 1975ـ 1976 وذلك لتعزيز مواقع القوات الأمريكية في أوروبا. وعلاوة على ذلك فإن حشوداً كبيرة من القوات البرية الأمريكية تنقل باستمرار من الولايات المتحدة إلى أوروبا جواً وبحراً إبان مختلف التدريبات والمناورات التي تجري، عادة، وفقاً لأساليب "الحرب الباردة" الملغومة بالعداء لقوى التقدم والديمقراطية.
كما أن القوات المسلحة البريطانية لا تعتزم الانسحاب من قواعدها في جمهورية ألمانيا الاتحادية. وترابط هناك حالياً أكبر المجموعات البرية وأكثرها استعداداً للقتال، نعنى بها جيش الراين البريطاني وأكثرها استعداداً للقتال، نعنى بها جيش الراين البريطاني وقوامه، طبقاً لمعطيات معهد الدراسات اللاستراتيجية في لندن، ثلاث فرق وقطعات أخرى تابعة لجيوش وفيالق، يربو تعدادها الإجمالي على 55 ألف ضابط وجندي*. وإضافة إلى ذلك يوجد في ألمانيا الاتحادية عدد من هيئات أركان القوات الجوية البريطانية وقطعاتها وبحوزة هذه القوات عدد من القواعد والمطارات الهامة وميادين الرمي وساحات التدريب ويقيم أفرادها في حاميات مغلقة وهم لا يخضعون للقوانين المحلية.
إن القواعد العسكرية الأمريكية المقامة على أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية وبريطانيا تشكل المجموعتين الأساسيتين لشبكة قواعد البنتاغون في أوروبا الغربية. وعلاوة على ذلك تمتلك الولايات المتحدة عدداً من القواعد الهامة في البلدان الأخرى الأعضاء في حلف الناتو. فعلى سبيل المثال تستخدم الولايات المتحدة باستمرار، باعتبارها "الحليف الأكبر" عدداً من القواعد الجوية والبحرية التي وضعتها الأوساط الحاكمة الهولندية والبلجيكية والدنماركية والنرويجية تحت تصرف القيادة الموحدة لقوات حلف الناتو. وذكرت الصحف أنه يوجد في هذه البلدان أيضاً عدد كبير من المنشآت العسكرية الأمريكية كمحطات الاستطلاع اللاسلكي والمتابعة والاتصال ونقاط الرصد الراداري البعيد وتوجيه الطائرات والسفن الحربية بما فيها الغواصات، ومنشآت أخرى.
ويفرد البنتاغون أهمية خاصة لقواعده المقامة في شمال المحيط الأطلسي، ومنها قواعده في إيسلندا وغرينلند.
وبالرغم من احتجاجات جزء كبير من سكان إيسلندا وسخطهم الشديد، ونضال القوى الطليعية للشعب الإيسلندي في سبيل الاستقلال الناجز، فإن الدوائر الحاكمة في هذا البلد الشمالي الصغير الذي ربط بعجلة حلف الناتو، تسمح للأوساط العسكرية الأمريكية بالاحتفاظ بقوات أمريكية في أراضي ايسلندا. وتوجد هناك واحدة من أكبر القواعد الجوية الاستراتيجية الأمريكية وهي قاعدة كيفلافيك المقامة بالقرب من العاصمة الإيسلندية ريكيافيك، وقاعدة هفالفوردور البحرية، وعدد من المنشآت الهامة للرصد الراداري البعيد، ومنظومة الاتصال الشاملة للقوات المسلحة الأمريكية، ومراكز توجيه الغواصات حاملة الصواريخ وقاذفات القنابل الاستراتيجية التي تقوم بدوريات في شمال الأطلسي ومناطق القطب الشمالي. وفي شباط (فبراير) 1976 ذكرت صحيفة "نيوتيد" الدنماركية أن القوات المسلحة الأمريكية تخزن احتياطات من السلاح النووي في قاعدة كيفلافيك، ومضت تقول إن هذه المعلومات مستقاة من العسكريين الأمريكان المقيمين في هذه القاعدة.
وقد تحدثت مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبورت" بصراحة تامة عن الأغراض الفعلية التي حدت بالبنتاغون للاحتفاظ بقواعده وقواته في هذه الجزيرة الشمالية النائية. وقالت المجلة أن "إيسلندا شبيهة بفلينة هامة تسد عنق المحيط الأطلسي. وأن القواعد والطائرات المرابطة هناك تتيح الإمكانية للبنتاغون لممارسة متابعة مستمرة وبالدرجة الأولى للملاحة السوفييتية، وخاصة الغواصات، المبحرة من مناطق روسيا الشمالية باتجاه المحيط الأطلسي*.
إن المناطق القطبية عموماً تحتل منذ أمد بعيد موقعاً خاصاً في خطط البنتاغون والقيادة العسكرية الحلف الناتو، وخاصة في مخططاتها الاستراتيجية المعدة لحالة الحرب ضد الاتحاد السوفييتي.
ويسود في أوساط الخبراء العسكريين الأمريكان رأي مفاده أن المنطقة القطبية يمكن أن تغدو واحداً من أهم مسارح العمليات الحربية في أية مجابهة عسكرية شاملة، ويزعمون أن القطب الشمالي سيغدو "المركز الاستراتيجي للحرب العالمية الثالثة". ويرى بعض الخبراء العسكريين الأمريكان أن الامتيازات الخاصة "للاستراتيجية القطبية" تتمثل في أن استخدام المحيط المتجمد الشمالي كمسرح لعمليات الغواصات النووية حاملة الصورايخ والطائرات الإستراتيجية بجعل، على حد زعمهم، كل خطوط السواحل السوفييتية الشاسعة الممتدة في الممنطقة القطبية معرضة للهجوم. ويأمل هؤلاء المنظرون أن تتمكن الغواصات النووية المسلحة بصواريخ باليستيكية من استخدام طبقات الجليد كستار والوصول متخفية إلى المنطقة المرادة واتخاذ الموقع الملائم وإنزال الضربة قبل أن تكتشف.
ومن الواضح أن مثل هذه النوايا العدوانية تنطوي على عواقب وخيمة للغاية على قضية السلام العالمي.
إن القواعد الأمريكية في إيسلندا تشكل عملياً مجموعة واحدة مع منشآت البنتاغون المقامة في غرينلند وهي جزيرة أخرى في شمال الأطلسي، في إطار حل جملة واسعة من مهمات "الاستراتيجية القطبية" وخاصة في تأمين عمليات الغواصات حاملة الصواريخ والطائرات الاستراتيجية الأمريكية.
إن جزيرة غرينلند المترامية الأطراف والمغطاة بطبقات الجليد والقليلة السكان تعتبر رسمياً جزءاً من أراضي الدانمارك وهي من حلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو. وفي عام 1941 وحينما كان أتون الحرب العالمية الثانية في أوج استعاره، وكانت ألمانيا الفاشية تحتل الدانمارك، طلبت الولايات المتحدة من الحكومة الدنماركية في المنفى السماح لها بتحشيد قواتها وعدد من منشآتها العسكرية الاستراتيجية في غرينلند وحصلت عليه. وكان هذا الطلب نابع من الضرورات العسكرية حينذاك، إذ أن العالم كان نهباً لنيران أبشع حرب في تاريخ البشرية. وكانت أشرس المعارك تجري على الجبهة السوفيتية الألمانية. وجرى في رحاب المنطقة القطبية الشاسعة وخاصة في جزئها الشمالي صراع بين القوات الإنكلوامريكية المرابطة هناك وبين الغواصات والطائرات الهتلرية. وكانت الطائرات الأمريكية المرابطة في جنوب وشرقي غرينلند تقوم بعمليات الاستكشاف البعيد والرصد في المحيط وتساعد على مرافقة طوابير سفن الحلفاء وتنقذ بحارة السفن التي تنسفها طوربيدات الغواصات الألمانية.
ووضع الحرب أوزارها. وبالرغم من ذلك فإن القواعد الأمريكية في غرينلند لم تغلق، بل ولدت من جديد في واقع الحال. فقد تم توسيع عدد منها وتحديثه وتجهيزه بمعدات جديدة. وفي عالم 1951 أرغمت الولايات المتحدة الدنمارك على توقيع اتفاقية جديدة حول الدفاع المشترك عن غرينلند، وبنتيجة ذلك أقيم في الجزيرة عدد من القواعد الاستراتيجية.
وأكبر هذه القواعد هي قاعدة تولي في غربي الجزيرة، حيث شيد في أعوام 1952ـ 1955 ميناء عصري ومطار ذو مدرج يزيد طوله على ثلاثة كيلومترات وعنابر وورشات تصليح ومستوعات للذخيرة والوقود. وفي ذات الوقت أنشأ البنتاغون في جنوب وشرق الجزيرة قواعد بحرية أمامية في نرسارسواك وغريندال وسوندرستروم وقواعد جوية هي "بلو ويست 1" و"بلو ويست 8" وغيرها. وفي الأعوام التالية قامت وزارة الحربية الأمريكية بجهود حثيثة لإنشاء قواعد جوية ضخمة في مناطق متجمدة شاسعة في شمال الجزيرة، وشيدت قواعد للرصد الراداري البعيد، علاوة على أعمال أخرى.
لقد كتبت الصحف الأمريكية الكثير عن القواعد المقامة في المناطق المتجمدة. وذكر أنه قد حفرت في جوف طبقات الجليد بالجزيرة مستودعات يصعب الوصول إليها وخزانات ومبان لمحطات الكهرباء وورشات التصليح وكذلك عنابر للطائرات وثكنات لأفراد القوات المسلحة ومقرات القيادة من عدة طوابق وما إلى ذلك. وأقيمت فوق الجليد مدارج جيدة للإقلاع والهبوط مرصوفة بالحصباء والقار يمكن أن تستخدمها أثقل الطائرات بما فيها قاذفات القنابل الاستراتيجية "ب 52". وقد ربت كلفة بناء هذه القواعد الجليدية على 220 مليون دولار. وزعم البنتاغون وأبواق الدعاية البورجوازية أن هذه النفقات الطائلة مبررة لأن القواعد الموجودة في المنطقة القطبية "ضرورية لكبح جماح الاتحاد السوفييتي" ودرء الهجوم الذي قد تتعرض له الولايات المتحدة وبلدان الناتو الأوربية من الاتجاه القطبي. ولكن هذه القواعد، في واقع الحال، ليست مخصصة لأغراض دفاعية إطلاقاً، بل إن الهدف الأساسي لإقامتها هو تقرب القوات الضاربة الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلف الناتو، وخاصة الطيران، من سواحل البلدان الأخرى وضمان تحركات القوات الاستراتيجية الهجومية الأمريكية في شمال الأطلسي والمناطق المتاخمة.
وقد لعبت هذه القواعد، مثلاً، الدور الأهم في التحليقات الدورية القتالية التي قامت بها قاذفات القنابل الاستراتيجية الأمريكية حاملة القنابل النووية في مناطق متاخمة لحدود الاتحاد السوفييتي وغيره من الدول المحبة للسلام وفي ممارسة سياسية "مواقع القوة" والشانتاج والتهديد أثناء "الحرب الباردة".
وأظهرت الأحداث فيما بعد أن مثل هذه التصرفات قد تؤدي إلى خلق أوضاع بالغة الخطورة، علماً بأن الخطر يهدد بالدرجة الأولى البلدان المقامة في أراضيها قواعد البنتاغون العسكرية. وقد تيقن ملايين البشر في العالم كله من ذلك حينما أحاقت الكارثة بواحدة من عشرات قاذفات القنابل من طراز "ب 52" المشاركة في مثل هذه العمليات، وذلك أثناء الحادثة التي ذكرناها آنفاً والتي وقعت قرب قاعدة تولي الجوية في مطلع عام 1968.
وقد سعت الدعاية الأمريكية حينذاك وخلال الأعوام التالية التي شهدت كوارث مماثلة، سعت لإقناع الرأي العام بأن هذه الحوادث الخطرة إنما هي صدفة طارئة. وقد نعتبر أن من الصدف. وهو احتمال مشكوك فيه، تحطم الطائرة "ب 52" قرب تولي، وسقوط أخرى قرب مالوماريس وثالثة في إحدى القواعد الأمريكية بحوض الكاريبي. ولكن الكوارث ذاتها، وكونها تحدث بالقرب من القواعد الأمريكية المقامة في أراضي الغير، نقول أن ذلك أمر حتمي وقانون مطلق ناجم عن "استراتيجية القواعد" العدوانية التي يتبعها البنتاغون.
و لا يقتصر هذا على ما حدث من كوارث، فعلاوة عليها جرت عشرات من الحوادث الأخرىلتي لم تغد كوارث بفضل مصادفات سعيدة. ففي مرات عديدة كانت طائرات أمريكية تفقد "بالصدفة" قنابلها فوق أراضي جمهورية ألمانيا الاتحادية وبريطانيا وتركيا واليابان وبلدان أخرى، كما سجلت حوادث تصادم قاذفات قنابل استراتيجية أمريكية.
إن عدداً متزايداً من البشر يدرك حالياً خطر "استراتيجية القواعد" ومن بينهم بعض الساسة الرشيدي التفكير والبرلمانيين وممثلي رجال الأعمال وعدد من ممثلي أجهزة الإعلام سواء في الولايات المتحدة أو في جمهورية ألمانيا الاتحادية وبريطانيا وبلدان أخرى. وإن هذا الوضع يؤدي، بدرجة معينة، إلى تعاظم التناقضات بين المساهمين في هذه الأحلاف الإمبريالية، وكذلك التناقضات بينهم والولايات المتحدة.
ومنذ أمد تكونت في بلدان حلف الناتو الأوربية وخاصة في الدانمارك والنرويج وبلجيكا وكذلك في إيطاليا وتركيا واليونان وغيرها، تكونت كتلة لا يستهان بها تعارض البنتاغون، وبخاصة مخططاته الرامية لاستخدام أوروبا الغربية كأهم مرتكز عسكري لشن العدوان ضد البلدان المحبة للسلام، وكمنطقة لتحشيد القوات والقواعد الأمريكية.
ويمكن إيراد ما قاله الجنرال البريطاني ووكر القائد العام السابق لقوات الناتو في شمال أوروبا كدليل على تعاظم نفوذ هذه القوى المعارضة داخل حلف الناتو وفي أوروبا الغربية عموماً. ففي الكتاب الموسوم "أزمة الدفاع الأوربي" أبدى ووكر تذمره من أن التحولات الإيجابية الجارية في الوضع الدولي "تؤدي حتماً إلى خلود الرأي العام في الغرب إلى الدعة والثقة بأن الروس يظهرون حالياً إخلاصاً ونوايا طيبة". وأشار الجنرال أيضاً إلى "أن الاتجاه نحو الركود يتجلى أكثر فأكثر" داخل حلف الناتو*.
إن الأوساط الرجعية الأمريكية ودوائر البنتاغون، في محاولة للتخفيف نوعاص ما من تأثير مثل هذه النزعات وبث النشاط في حلف الناتو وتبرير تصرفاتها وخاصة مواصلة تعزيز شبكة القواعد العسكرية، تلجأ على نطاق واسع إلى أساليب الضغط السياسي والاقتصادي على حلفائها وإلى رشوة بعض الساسة ورجال الأعمال وقادة أجهزة الإعلام. كما يولي اهتمام كبير لجميع قنوات التأثير الأيديولوجي على السكان وأفراد القوات المسلحة، وإلى الرياء السياسي والشانتاج والتخويف والخداع.
وبغية تبرير "ضرورة الاحتفاظ بشبكة القواعد المتقدمة" على أراضي الغير تلجأ واشنطن على نطاق متزايد إلى استخدام موضوعة مهترئة بآلية تزعم أن وجود القوات الأمريكية في القارة الأوربية يرمز إلى "إسهام الولايات المتحدة الفعلي في الذود عن العالم الغربي". وطبقاً "لأحداث" المصطلحات السياسة الأمريكية يعنى ذلك "إسهام الولايات المتحدة في التعاون مع أوروبا" (كذا). أن أنصار بقاء الوجود العسكري للبنتاغون في أوروبا إلى أمد غير محدود يزعمون بإصرار أن ثمة ضرورة خاصة تتطلب الإبقاء على مثل هذا الوضع وهي تتمثل في ضعف القوى غير النووية لحلفاء الولايات المتحدة في حلف الناتو. ويدعى هؤلاء أن "القلعة الأوروبية" سوف تنهار حتماً بعد مرور بضعة أيام على بدء العمليات الحربية إذا ما انسحب من الأراضي الأوروبية الجنود والأمريكان، المدافعون الرئيسيون عن أمن العالم الغربي (كذا).
وهذا هو رأي البنتاغون وكذلك رأي أولئك الذين ما برحوا يبدون استعدادهم غير المشروط لجر مركبة الناتو في طريق التحضيرات العسكرية الذي لا نهاية له. ولكن عند إلقاء نظرة موضوعية على قضية وجود القوات الأمريكية في القارة الأوروبية يغدو من الضروري أن نجيب في المقام الأول عن السؤال التالي: هي يتمثل هدف بلدان حلف الناتو في الحفاظ على السلام المديد بأوروبا؟
إذا كان الرد بالإيجاب، كما يزعم العديد من الساسة ورجال الدعاية في الغرب، فإن خير سبيل لتحقيق الانفراج في هذه المنطقة الهامة للغاية، وفي العالم أجمع، هو الإكثار من براعم التفاهم المتبادل الناشئ بين دول الشرق والغرب، على أن يقترن ذلك بأقصى قدر من التقليص المتبادل للقوات المسلحة لحلف الناتو ومعاهدة وارشو. ومن شأن تصفية القواعد الأجنبية المقامة في أراضي الغير أن تكون عنصراً هاماً في مثل هذه الحلول.
ويبذل الاتحاد السوفييتي بمعية البلدان الاشتراكية الأخرى وجميع القوى المحبة للسلام جهوداً كبيرة لتحقيق تدابير فعلية بغية تحسين الجو في أوروبا وقد أشير في المؤتمر الخامس والعشرين للحزب الشيوعي السوفييتي إلى أن الأمر الرئيسي في سياسة الاتحاد السوفييتي في هذه القارة هو السعي لضمان الأمن الأوربي على أساس ما أسفرت عنه الحرب العالمية الثانية من أمور واقعة في السياسة وفي مسألة الأراضي. وفي هذا المضمار تمكن ذوو الإرادة الخيرة من إجتراح الكثير. وأحرزت بأوروبا نتائج محسوسة في مضمار الانفراج وتوطيد السلام والثقة والتفاهم المتبادل.
وبالرغم من ذلك لا يسع المرء ألا يلاحظ في أوروبا وجود مشاكل جوهرية تؤثر سلبياً على الوضع في العالم كله وليس في أوروبا وحدها. وقد أشار مؤتمر الأحزاب الشيوعية والعمالية الأوروبية الذي انعقد ببرلين يومي 29 و 30 حزيران (يونيو) عام 1976 إلى أن كون القارة الأوروبية منطقة تحشد أضخم القوات المسلحة التي تمتلك أخطر قدرات التدمير ومواصلة سباق التسلح بإصرار، وتخزين احتياطات متزايدة من الأسلحة، بما فيها وسائل الإبادة الجماعية، والاحتفاظ بقوات وقواعد أجنبية في أراضي دول أخرى والضغوط الإمبريالية والتدخل في شؤون الغير، ذلك كله يشكل مصدر خطر مباشر على السلام والأمن والتعاون بين الدول وعبقة في طريق تحقيق تطلعات الشعوب الأوروبية إلى الاستقلال والتقدم.
إن القوى الديمقراطية والمحبة للسلام تشعر بقلق كبير للغاية ليس لوجود أعداد كبيرة من القوات والقواعد الأمريكية في أوروبا فحسب، بل وكذلك لأن البنتاغون يسعى لاستخدام هذه القوات للقيام بعمليات خارج حدود القارة الأوروبية ولدعم الأنظمة الرجعية ومحاربة حركة التحرر الوطني في مناطق أخرى، وخاصة في الشرق الأوسط.
فمن المعروف، مثلاً، أن القواعد الأمريكية في أوروبا الغربية كانت منطلقاً للعديد من العمليات العدوانية. ومنها نقلت قطعات مشاة ومدرعات وجوية وغيرها شاركت في التنفيذ المباشر أو تأمين عمليات الغزو الانكلو أمريكي في لبنان والأردن عام 1958 وفي جميع الحروب العدوانية والتحرشات التي مارستها الأوساط الرجعية الإسرائيلية ضد البلدان العربية بدعم من الإمبريالية العالمية والصهيونية. وقد استخدمت القواعد المذكورة على نطاق واسع لضمان عمليات نقل كميات كبيرة من الأسلحة الأمريكية والمعدات القتالية والذخائر والوقود لتموين الجيش الإسرائيلي أثناء حرب أكتوبر عام 1973.
كما استخدمت البنتاغون هذه القواعد مراراً لنقل الأسلحة والذخائر وغير ذلك من الشحنات الحربية ولنقل مجموعات المستشارين والمراقبين العسكريين لمساعدة قوات الأنظمة الرجعية والجهات الحاظية بدعم البنتاغون في آسيا وأفريقيا، وخاصة أثناء العمليات التي نظمتها الرجعية المحلية والعالمية ضد حكومة باتريس لومومبا في الكونغرس خريف عام 1960 وأثناء العدوان الإمبريالي الذي شنته جمهورية جنوب أفريقيا بالاشتراك مع الانفصاليين المحليين وقوى أخرى في أنغولا شتاء عام 1975.
إن هذه الوقائع تدل بجلاء على أن القوات والقواعد الأمريكية المرابطة في بلدان أوروبا الغربية كانت وما برحت أداة للسياسة العدوانية المعادية للشعوب، ومن الرواسب الخطرة "الحرب الباردة". وهي تشكل عقبة كأداة في طريق التلطيف اللاحق للجو الدولي وتحويل أوروبا إلى قارة سلام وطيد مستقر.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
estqsa.info
المنسق العام
estqsa.info

عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 04/06/2011

قواعد الإمبريالية أداة العدوان Empty
مُساهمةموضوع: رد: قواعد الإمبريالية أداة العدوان   قواعد الإمبريالية أداة العدوان Emptyالسبت يونيو 11, 2011 2:58 pm

اجنحة الناتو

في الجناح الجنوبي لحلف الناتو
سيغونيلا مدينة صغيرة تقع على جزيرة صقلية الإيطالية في قلب البحر الأبيض المتوسط. وإلى سنوات قليلة لم يكن قد سمع بهذا الاسم أحد إلا سكان المنطقة والتجار الوافدون ونفر من السواح. فصقيلية جزيرة نائية لا تكاد أراضيها التي أحرقتها أشعة الشمس اللاهبة تسد رمق السكان، لذا فإنها لا تستأثر باهتمام الباحثين عن التسلية واللهو والبلاجات المريحة والمصايف الإيطالية الثرية أو في ظلال القصور والكنائس الشهيرة في روما وفينيسيا وفلورنسا.
ولكن صيت سغونيلا ذاع في الأعوام الأخيرة، وأخذ اسمها يتردد في الصحف والمجلات وفي نشرات الأنباء الإذاعية والتلفزيونية. ويمكن للمرء أن يشاهد في شوارع المدينة، وخاصة في الأماسي والعطل حشوداً من الأجانب الصاخبين وغالبيتهم شباب أصحاء لا يشبهون السواح بشيء، يتحدثون الإنجليزية. وبالرغم من أن هؤلاء الشباب يرتدون الملابس المدنية فإن هيئتهم تفصح عن كونهم عسكريين. وفي الأمسيات والعطل يرتاد هؤلاء الشباب الحانات والبارات التي شيدت في المدينة منذ أمد غير بعيد، حيث يحتسون الخمر ويلغطون ولا يأنفون عن الكلام الفاحش. وغالباً ما تدور الخمرة في الرؤوس فينشب شجار أو عراك وتلمع المدى والمقايض الحديدية. وفي هذه الأحوال يستدعي مالك البار رجال البوليس ولكن ليس البوليس المحلي بل العسكري. ويفد إلى محل الحادث جنود أشداء يرتدون زياً عسكرياً أجنبياً وعلى أذرعهم شارة خط عليها حرفا MP ويعتمرون خوذاً بيضاء ويتمنطقون بأحزمة بيضاء عريضة، تقلهم سيارات "جيب" مسلحة بمدافع رشاشة وتعوى صفاراتها. ويصطحب رجال البوليس المتشاجرين إلى السيارة وينقلونهم خارج المدينة.
وبعد أن تغادر "الجيب" العسكرية المدينة تبدأ تنهب الطريق العريض الذي شق هنا منذ أمد قريب. ويتعرج الطريق بين أشجار الزيتون وسرعان ما يعرج على بناية بيضاء علقت على واجهتها يافطة كتب عليها: "موقع القوات المسلحة الأمريكية. الدخول ممنوع!!". وعلى امتداد البصر يشاهد الناظر إلى اليسار، واليمين من البوابة الفولاذية الأوتوماتيكية حاجزاً من الشباك المعدنية المتينة. كما يشاهد أبراج المراقبة تعلوها المدافع الرشاشة والأنوار الكشافة، وينتشر هناك الحرس والدوريات الآلية على المدرعات.
توجد هنا، بالقرب من سيغونيلا واحدة من أحدث القواعد العسكرية الأمريكية والتي تجري توسيعها باطراد، وهي حلقة هامة في سلسلة قواعد البنتاغون الأمامية في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط. وقد شيدت هذه القاعدة منذ أمد قريب نسبياً ووفق أحدث المتطلبات وكلفت دافعي الضرائب الأمريكان عشرات ملايين الدولارات (علاوة على المبالغ الطائلة التي دفعت من الخزانة الإيطالية لتشييد القاعدة). وتقول مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أند ورلد ريبورت" أن الهدف الأول من إنشاء القاعدة هو تأمين مهمة المتابعة الدائمة للغواصات في عرض البحر الأبيض المتوسط وتأمين المواصلات الجوية الأمريكية في هذه المنطقة.
وتقوم الطائرات التي تقلع من هذه القاعدة مع القوات الأخرى (الأمريكية والإيطالية والبريطانية وقوات سائر بلدان الناتو) تقوم بدوريات تستمر ليلاً ونهاراً في مختلف مناطق حوض البحر الأبيض المتوسط. وتحوم هذه الطائرات فوق السفن الأجنبية العابرة من هناك وخاصة تكل التي تعود ملكيتها للبلدان الاشتراكية والنامية، علماً بأن ذلك يتم بشكل خطير، حيث أن الطائرات تحلق على ارتفاع منخفض ومن الجهات المقابلة لسير السفن وتقوم بمناورات التهديد، وليس ذلك بأسوأ التصرفات التي يرتكبها الطيارون.
ومن دواعي قلق وسخط سكان المناطق المطلة على البحر الأبيض المتوسط، بل في مناطق أخرى من العالم، ما قامت به الطائرات الأمريكية المرابطة في سيغونيلا وغيرها من القواعد الأمريكية بالمنطقة في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973. ففي تلك الأونة استعر في هذه المنطقة أوار الحرب التي كانت نتيجة لعدوان المتطرفين الإسرائيليين الحاظين بدعم الإمبريالية العالمية والصهيونية. وخاضت القوات المسلحة الإسرائيلية معارك عنيفة ولم تحظ خلالها بالنجاح الذي كانت تأمل به تل أبيب. وتكبد المعتدون الإسرائيليون خسائر فادحة وخاصة في المعدات والطيارين وزجوا بأخر إحتياطيهم في المعركة. وفي سورة اليأس طلبت تل أبيت العون من حماتها فيما وراء المحيط، وسرعان ما انهالت عليها المساعدات كالسيل المنهمر.
وكانت آلاف الأطنان من الشحنات الحربية. من دبابات وطائرات وصواريخ وقنابل وقذائف ووقود واطعمة، تنقل عبر جسر جوي هائل من الولايات المتحدة إلى إسرائيل عبر أوروبا.
وكان سيغونيلا من الحلقات الهامة في هذا الجسر الجوي المخصص لتجهيز المعتدى. ومن هذه القاعدة وسائر القواعد الأمريكية الواقعة على الطريق الطويل الممتد طوال آلاف الكيلومترات من أمريكا إلى البحر الأبيض المتوسط عبر المحيط الأطلسي، كانت تقلع الطائرات الصهاريج الثقيلة لكي تزود بالوقود طائرات النقل العسكرية الأمريكية التي كانت تتولى نقل الشحنات الحربية إلى إسرائيل. وكانت طائرات أخرى تقلع من مطارات سيغونيلا وقواعد أخرى لأغراض الرصد الجوي والاستطلاع العملياتي على طريق الجسر الجوي وفي المنطقة المتاخمة لمسرح العمليات على طريق الجسر الجوي وفي المنطقة المتاخمة لمسرح العمليات الحربية، وكذلك على مقربة من أجواء الدول العربية. وفي الوقت ذاته كانت طائرات خاصة تقوم بعمليات التشويش الراديو الكتروني على طائرات البلدان العربية والسفن التجارية التابعة لدول أخرى والمتجهة إلى موانئ سوريا ومصر وغيرهما من البلدان المعتدى عليها.
وكان البنتاغون على استعداد للقيام بأعمال أكثر خطراً على قضية السلام. فإن ما يزيد على ألف جندي وضابط أمريكي في قاعدة سيغونيلا والآفا عديدة من أفراد القوات المسلحة الأمريكية في القواعد الأخرى بحوض البحر الأبيض المتوسط ومنطقة الشرق الأوسط، كانوا ينتظرون بين لحظة وأخرى إعلان حالة التأهب القوى لتقديم دعم عسكري للمعتدين الإسرائيليين. وصدرت من واشنطن أوامر تمنع جميع العسكريين من مغادرة قطعاتهم أو التمتع بإجازات.
وفي تلك المرة تم درء خطر الاتساع الخطير للنزاع العسكري في الشرق الأوسط. ولعب الدور الحاسم في ذلك موقف الدول المحبة للسلام، وفي طليعتها الاتحاد السوفييتي، والموقف الواقعي الذي اتخذه إزاء الوضع آنذاك بعض قادة البلدان الغربية. ومع ذلك فإن ملايين البشر في العالم أجمع تيقنوا مجدداً من ماهية الأغراض التي أنشأت الدول الإمبريالية من أجلها القواعد العسكرية في أراضي الغير، وكيف تستخدم هذه القواعد، ومدى المخاطر التي تنطوي عليها أعمال القوى العدوانية ضد الشعوب المتعرضة للعدوان، بل وعلى سكان البلدان التي توجد فيها هذه القواعد.
وما قاعدة سيغونيلا إلا واحدة من منشآت استراتيجية عديدة شيدها البنتاغون طول سنين أخيرة في أراضي إيطاليا، وكان إضافة ملموسة لشبكة المنشآت العسكرية الأمريكية الموجودة في شبه الجزيرة الإيطالية منذ الحرب العالمية الثانية. وعلاوة على ذلك فإن إيطاليا ذاتها ليست إلا حلقة في المنظومة العسكرية الاستراتيجية الهائلة التي أنشأتها الإمبريالية العالمية لأغراض عدوانية في حوض البحر الأبيض المتوسط والشرق الأوسط.
إن واضعي الإستراتيجية الإمبريالية يعتبرون منطقة البحر الأبيض المتوسط واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في العالم لتنفيذ نواياهم المتحدة وكبريات البلدان الرأسمالية الأوروبية جهوداً جمة لكي تستحوذ على مواقع أفضل في هذه المنطقة ومن أجل قمع القوى الوطنية والتحررية المحلية التي تقف حائلاً دون تنفيذ هذه السياسة.
ما الذي يجعل الدول الإمبريالية تنزع إلى هذه المنطقة بمثل هذا العنف؟ بالطبع أن الوازع الأول يتمثل في حقول النفط الثرية بالمنطقة. إذ توجد في شرقي حوض البحر الأبيض المتوسط، في بلدان الشرقين الأوسط والأدنى كميات من النفط تصل إلى 70% من احتياطات النفط المكتشفة وثلث كميات النفط المستخرجة في العالم (باستثناء المنظومة الاشتراكية). ويغطي نفط الشرق الأوسط ثلثي الاحتياجات الإجمالية لأوروبا الغربية من هذه المادة الخام العظيمة الأهمية، كما يغطي كلياً احتياجات القوات المسلحة للولايات المتحدة وبريطانيا وسائر بلدان الناتو، المرابطة في منطقة البحر الأبيض المتوسط وجميع القواعد العسكرية الإمبريالية المقامة هناك.
وإلى أمد غير بعيد كانت كبريات الاحتكارات الرأسمالية وعلى رأسها الاحتكارات الأمريكية والبريطانية تحصل سنوياً على أكثر من ملياري دولار ربحاً صافياً من نفط الشرق الأوسط. وإلى جانب ذلك فإن هذه الاحتكارات تحصل على أرباح طائلة من استثمار أنابيب النفط التي مدتها في المنطقة ومن أسطول ناقلات النفط وما إلى ذلك.
ولكن النفط ليس العامل الوحيد الذي يجعل حوض البحر الأبيض المتوسط ذا أهمية بالغة بالنسبة للمخططات الاستراتيجية للإمبريالية. فإن هذا الحوض الهائل هو مركز تقاطع عشرات من أهم الطرق البحرية والجوية العالمية التي تربط مباشرة ثلاث قارات ومحيطين. وتتاخم هذا الحوض مناطق ذات أهمية كبيرة بالنسبة لعشرات البلدان كمضيق الدردنيل والبسفور وقناة السويس وجبل طارق. وللمنطقتين الأخيرتين أهمية خاصة بالنسبة للولايات المتحدة وبلدان أوروبا الغربية. فعند استخدامهما للانتقال من شرقي المحيط الأطلسي إلى المحيط الهندي ومنطقة الخليج العربي أو جنوب شرقي آسيا يكون الطريق أقصر من الطريق عبر رأس الرجاء الصالح بمسافة تبلغ 4800 ميل بحري أو لمدة 12ـ 16 يوماً.
وتعتبر الأوساط العسكرة في الولايات المتحدة وحلف الناتو منطقة البحر الأبيض المتوسط ذات أهمية قصوى من النواحي، العسكرية الاستراتيجية. وهي تعتبر هذه المنطقة رأس جسر ذا أهمية قصوى في حالة القيام بعمليات عسكرية ضد البلدان الاشتراكية الأوروبية والدول النامية في أفريقيا والشرق الأوسط وحوض البحر الأبيض المتوسط. لذا تم فور تشكيل حلف شمال الأطلسي عام 1949 تشكيل قيادة حلف الناتو لجنوب أوروبا في منطقة البحر الأبيض المتوسط، وأفرد لها دور بالغ الأهمية في المخططات العسكرية للإمبريالية، إلى جانب قيادة القوات المسلحة لحلف الناتو في وسط أوروبا. وحشدت في المنطقة قطعات ضخمة من القوات المسلحة للولايات المتحدة ودول حلف الناتو الأخرى. وأقيمت شبكة واسعة من القواعد العسكرية الحديثة.
وفي الآونة الأخيرة أخذ نشاط استراتيجيي حلف الناتو يتجاوز أكثر فأكثر حدود منطقة قيادة جنوب أوروبا، ليشمل بلدان الشرقين الأدنى والأوسط ومناطق أخرى. ويولي اهتمام خاص لشمال أفريقيا. وقد كتبت صحافة ألمانيا الغربية تقول إن الدوائر العسكرية في بون وضعت وعرضت على سائر بلدان الناتو خطة واسعة هدفها تحويل أفريقيا إلى "مؤخرة استراتيجية لأوروبا الغربية". وطبقاً لهذه الخطة ينبغي أن تغدو سواحل شمال أفريقيا "منطقة الحدود الجنوبية لأوروبا"، وتصبح إسبانيا "الجسر الأوروبي الممتد إلى أفريقيا".
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
estqsa.info
المنسق العام
estqsa.info

عدد المساهمات : 39
تاريخ التسجيل : 04/06/2011

قواعد الإمبريالية أداة العدوان Empty
مُساهمةموضوع: رد: قواعد الإمبريالية أداة العدوان   قواعد الإمبريالية أداة العدوان Emptyالسبت يونيو 11, 2011 3:01 pm

شبكة القواعد

وتعتمد الرجعية الإمبريالية قواعدها العسكرية والقوات المتواجدة فيها واحدة من أكثر السبل فعالية لتوطيد مواقعها في هذه المنطقة ذات الأهمية العالمية.
وكانت جهود حثيثة قد بذلت سابقاً لإقامة شبكة متشعبة من القواعد المذكورة، إذ أن حوض البحر الأبيض المتوسط كان منذ أمد بعيد منطقة تطبق فيها "استراتيجية القواعد" الإمبريالية بإصرار ونشاط متميزين.
ظل المستعمرون البريطانيون وطغمتهم العسكرية مهيمنين على منطقة البحر الأبيض المتوسط طوال قرنين ونصف القرن، ففي مطلع القرن الثامن عشر كانوا قد استولوا على أهم مرتكز استراتيجي وهو جبل طارق الذي يعتبر "مفتاح" البحر الأبيض المتوسط. وبعد ذلك قاموا بإنشاء قواعد كبرى في مالطا وقبرص وغيرهما من المناطق الهامة هناك. وظلت الإمبريالية البريطانية لسنين طويلة مهيمنة لوحدها على مصر وباسطة رقابتها على شريان استراتيجي هو قناة السويس، ومحتفظة بقواتها وقواعدها في عدد من بلدان الشرقين الأوسط والأدنى وفي أفريقيا وجنوب آسيا.
وعلى امتداد حقبة طويلة كانت لفرنسا مستعمرات كثيرة وخاصة في شمال أفريقيا والشرق العربي. وكانت توجد كبيرات القواعد الفرنسية في بيزرت (تونس) ومرسى الكبير (الجزائر) وفي الدار البيضاء والرباط (المغرب) وفي سوريا ولبنان وأماكن أخرى.
وكانت إيطاليا وإسبانيا تمتلكان مستعمرات هامة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وقد أنشأتا، وخاصة في سنوات ما بعد الحرب العالمية الأولى، قواعد عسكرية في طرابلس الغرب وبرقة وأريتريا وطنجة وبعض المناطق في الشمال الغربي من أفريقيا.
أما الأمريكان فقد تخلفوا عن المستعمرين الآخرين في ولوج حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث شوهدت طلائع سفنهم العسكرية عند سواحل المنطقة في مطلع القرن التاسع عشر. وكانت تلك عمارة حربية تحت قيادة القبطان ديل وفدت إلى المنطقة للقيام باستكشاف سياسي وعسكري ومحاولة إيجاد سبيل لضمان مصالح الرساميل الأمريكية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط.
ولم يمكن الأسطول الأمريكي من إحراز نجاحات تذكر في البحر الأبيض المتوسط آنذاك. وكل ما توصل إليه هو القيام بعدة غارات قرصنية سافرة على عدد من الموانئ في ليبيا والجزائر والمغرب حيث اضطر الحكام المحليون، تحت ضغط المدافع الأمريكية، إلى دفع جزية كبيرة مقابل جريرة ملفقة تزعم أن نفراً من السكان المحليين قاموا في وقت ما بـ "نشاطات غير ودية" حيال التجار الأمريكان.
وبعد مرور بضع سنوات قامت الولايات المتحدة بمحاولة جديدة معتمدة على السلاح لإرغام دول المنطقة وخاصة بلدان شمال أفريقيا على "الاعتراف بالمصالح المشروعة للولايات المتحدة" في هذه المنطقة، ولترسيخ أقدامها في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومرة أخرى أرسلت إلى سواحل أفريقيا تشكيلة ضخمة من الأسطول الحربي أطلقت عليها تسمية عمارة البحر الأبيض المتوسط. وكان السفن تقل أعداداً كبيرة من مشاة البحرية الذين كانوا منذئذ قد عرفوا بأنهم أفضل قوة لممارسة الاغتصاب الاستعماري والتنكيل بالسكان المحليين.
وتنفيذاً لأوامر القيادة العسكرية وإيعازات الرئيس الأمريكي المباشرة، قامت هذه العمارة بعدة اعتداءات على دول شمال أفريقيا ومنها طرابلس. وقفلت السفن ميناء طرابلس عاصمة السلطنة من جهة البحر وتم إنزال مشاة البحرية. وسرعان ما استولى الأمريكان على المدينة ونصبوا على عرش السلطنة أحد صنائعهم عوضاً عن السلطان القتيل، ثم عقدوا معه اتفاقية تستعبد طرابلس، حيث كان أحد بنودها ينص على أن للولايات المتحدة "حقاً خاصاً" في أن تستخدم موانئ هذا القطر العربي كما تشاء. وتأكيداً لهذا الحق تم في يوم توقيع الاتفاقية رفع العلم الأمريكي فوق القلعة المشرفة على ميناء طرابلس. ويذكر كتاب "مشاهير قادة الأساطيل الأمريكان" وهو مؤلف تاريخي صادر في الولايات المتحدة، أن تلك كانت الحقبة التي حصلت الولايات المتحدة أبانها على أول مرتكز عسكري في البحر الأبيض المتوسط، الذي أصبح المثال الأول للقواعد العسكرية التي أقامتها فيما بعد على أراضي الغير المغتصبة.
لقد ظل البحر الأبيض المتوسط لأمد طويل مسرحاً لأشرس صراع بين أعتى الوحوش الإمبريالية. وكان الرأسمال الاحتكاري والمستعمرون والطغمة العسكرية في بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة وسائر الدول الإمبريالية، يمارسون أبشع أنواع الاضطهاد والنهب والإبادة ضد شعوب شمال أفريقيا والشرق الأوسط وسائر المناطق في حوض البحر الأبيض المتوسط، ويسعون بشتى السبل لعرقلة التطور الوطني الفعلي لهذه الشعوب، ويقمعون بلا رأفة جميع نشاطات الجماهير والقوى الوطنية المناضلة ضد النير الاستعماري. وكانت القوات والقواعد العسكرية في هذه المنطقة العماد الأول للمستعمرين في ممارسة سياسة الاغتصاب والاضطهاد.
إن سحق الهتلرية في أوروبا والعسكرية اليابانية في آسيا خلال الحرب العالمية الثانية، قد أنزل ضربة موجعة بكل النظام الاستعماري للإمبريالية، ومنح زخماً جباراً لحركة التحرر الوطني في مختلف أنحاء العالم، بما فيها حوض البحر الأبيض المتوسط والمناطق المتاخمة له. وقد أخذت الإمبراطوريات الاستعمارية بالانهيار تحت ضربات القوى الثورية الحاظية بإسناد جميع الأوساط التقدمية. وبعد نضال مرير حصلت عشرات البلدان، ومنها بلدان شمال أفريقيا والشرق الأوسط على استقلالها السياسي وشرعت بإعادة بناء حياتها الاقتصادية والاجتماعية السياسية.
وسلك عدد من البلدان المتحررة من ربقة الاستعمار، ومنها بلدان في حوض البحر الأبيض المتوسط, سلك بخطوات ثابتة سبيل التطور اللارأسمالي. وقد تم أو يجري هناك تنفيذ تحولات تقدمية لصالح أوسع الجماهير، مثل تأميم الصناعة ووسائل النقل والبنوك وتصفية الإقطاع، وتبذل جهود جمة في ميدان تعليم أبناء الشعب والنهوض بمستواهم الثقافي. وتجري هناك عملية إعادة بناء القوات المسلحة لجعلها أداة للدفاع عن المصالح الوطنية للشعب ولتأمين إتباع سياسة خارجية مستقلة.
وكان من النتائج الهامة لانهيار النظام الاستعماري للإمبريالية أن الدول الإمبريالية وقواتها المسلحة حرمت في حالات عديدة من حق استخدام أراضي الدول المتحررة كمرتكزات عسكرية، واضطرت إلى إغلاق العديد من قواعدها العسكرية وسحب قواتها.
بيد أن الإمبريالية تبذل قصارى الجهود لكي تحتفظ، بشكل من الأشكال،بمواقعها السياسية والاقتصادية والعسكرية أيضاً في البلدان النامية. وتلجأ الإمبريالية إلى سياسة الاستعمار الجديد في محاولة لربط الدول الفتية الآسيوية والأفريقية بعجلة الأحلاف العسكرية العدوانية،والحفاظ بهذه الواسطة على وجودها العسكري في أراضي الغير، ومواصلة الاحتفاظ بقواعد ومطارات وموانئ هناك.
كما أن التغيرات التي جرت داخل العالم الرأسمالي بعد الحرب العالمية الثانية أثرت على "استراتيجية القواعد" الإمبريالية في منطقة البحر الأبيض المتوسط. فقد اضطرت بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها من الدول الاستعمارية الرئيسية في السابق إلى أن تتنازل "لحليفها الأكبر"، أي الولايات المتحدة، عن عدد من أهم مواقعها وخاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط. وتسعى الإمبريالية الأمريكية بنشاط متعاظم اليوم إلى ترسيخ أقدامها لأمد طويل في هذه المنطقة.
ويفرد للقوات المسلحة الأمريكية وخاصة للأسطول البحري والقواعد المقامة في حوض البحر الأبيض المتوسط الدور الأهم في ضمان النهج المذكور.
وقد كتبت المجلة العسكرية الأمريكية " يونايتد ستيتس نيفل انستيتوت بروسيدنغ" تقول أنه لكيما تتمكن الولايات المتحدة من ممارسة سياستها في أقصى أصقاع العالم، فإنها بحاجة إلى قوات عمليات قتالية قادرة دوماً على القيام بدور "الشرطي العسكري" الأمريكي و"كلب الحراسة البحري". ومضت المجلة تقول أن هذه القوة تتمثل حالياً في أسطول العمليات الأمريكيين، وهما الأسطول السادس في البحر الأبيض المتوسط والأسطول السابع في غربي المحيط الهادي.
ولا يخفى أن مثل هذه الصراحة لست السمة المميزة لجميع المنشورات العسكرية، فإن غالبيتها تحاول عادة، عند التطرق إلى دور القوات المسلحة في سياسة واشنطن الخارجية، إقناع الرأي العام إن للماكنة العسكرية الأمريكية هدفاً سلمياً، وأن ثمة ضرورة للاحتفاظ "بقوة استقرار" فقط في مختلف أنحاء العالم، بل والإدعاء بأن هذه القوة تهدف إلى ضمان الديمقراطية والحرية للجميع. ويتجلى الطابع الديماغوجي لهذه الأقاويل مقارنتها فقط بطابع استخدام الأسطول الأمريكي السادس في البحر الأبيض المتوسط.
لقد ظهر هذا الأسطول في البحر الأبيض المتوسط إبان المرحلة الختامية للحرب العالمية الثانية، ولكن الولايات المتحدة لم تسحبه من المياه الأجنبية بعد انتهاء الحرب. وظل الأسطول هناك، ومنذ ذلك الحين يستخدم على نطاق واسع بصفة "كلب الحراسة البحري" الذي ورد ذكره آنفاً.
وقد كتب العالم والوجه الاجتماعي البريطاني المعروف برتراند راسل يقول أنه إذا أراد المرء أن يعرف أين ستظهر بؤرة توتر جديدة خلال الآونة القريبة، فما عليه إلا أن يتابع باهتمام تحركات الأسطول الأمريكي ومشاة البحرية الأمريكان.
هكذا كانت الحال عام 1947 حينما قامت الولايات المتحدة مستخدمة سفن وطائرات الأسطول السادس المرابطة في موانئ ومطارات بإيطاليا، بالتدخل في الشؤون الداخلية للشعب الإيطالي أثناء أول انتخابات تجري بعد الحرب، مما كفل الفوز للقوى الرجعية.
وفي عام 1956 استخدمت السفن والطائرات الأمريكية القواعد المقامة في إيطاليا وليبيا وتركيا وساندت بأعمالها العدوان الثلاثي الأنكلوفرنسي الإسرائيلي ضد مصر.
وفي عام 1958 حشدت هذه القوات مجدداً في شرق البحر الأبيض المتوسط، حيث قامت بعدة استعراضات تهديدية عند سواحل البلدان العربية، ثم أنزل في لبنان الإنزال البحري كبير من مشاة البحرية الذين عملوا بالاشتراك مع القوات البريطانية التي غزت الأردن، لضمان احتلال هذين البلدين. وبفضل الاحتجاجات الحازمة التي أبدتها قوى السلام والموقف السوفييتي الحازم أرغم الغزاة على أن يعودوا على أعقابهم.
وقد استخدم الأسطول السادس مراراً فيما بعد لأعمال عدوانية. ففي حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 في الشرق الأوسط أصدرت واشنطن أوامرها بإعلان حالة التأهب القصوى في جميع قواتها المسلحة وعمدت في المقام الأول إلى إحداث زيادة ملموسة في القدرات القتالية للأسطول السادس. كما قامت بتحركات أخرى في قواعدها بحوض البحر الأبيض المتوسط وأوروبا الغربية والمحيط الهندي، وكان من الواضح أن هذه الإجراءات هي عملية ضغط وشانتاج عالمي.
إن سياسة البنتاغون هذه تستأثر أكثر فأكثر باهتمام الرأي العام العالمي وتدفعه إلى التساؤل عن مشروعية تواجد قطعات عسكرية ضخمة وعدد كبير من القواعد العسكرية الإمبريالية في أراضي الغير، وخاصة البحر الأبيض المتوسط.
إن القواعد العسكرية الأمريكية في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط هي من أكبر القواعد وأفضلها تجهيزاً، وهي بمثابة العمود لكل شبكة القواعد العدوانية في الجناح الجنوبي لحلف الناتو. أضف إلى ذلك أن واشنطن حملت شركاءها في حلف الناتو على الموافقة على أن تستخدم القوات الأمريكية، علاوة على قواعدها الخاصة، جميع قواعدهم في أوروبا وأفريقيا والشرق الأوسط على نحو غير محدود في الواقع. بل أنه جرى لهذا الغرض سحب بعض القواعد من أمرة القيادات الوطنية المباشرة واعتبارها "قواعد لحلف الناتو" وبهذه الصفة جعلت تحت سيطرة قيادة الناتو حيث احتل الجنرالات والأميرالات الأمريكان المناصب الأساسية. فهم مثلاً يسيطرون على مناصب هامة كمنصب القائد العام ورئيس هيئة أركان القوات المسلحة الموحدة لحلف الناتو على مسرح جنوب أوروبا الذي يشمل عملياً حوض البحر الأبيض المتوسط بأكمله، وغير ذلك من المناصب الهامة في هذه المنطقة، مما يتيح للأمريكان الفرصة لاستخدام كل شبكة قواعد حلف الناتو كما يحلو لهم.
يمكن اصطلاحاً تقسيم قواعد الإمبرياليين العسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط إلى مجموعتين،الشرقية والغربية. وتدرج ضمن الأولى المنشآت الواقعة في تركيا واليونان وقبرص. وتتاحم هذه المنطقة إسرائيل التي أعلن حكامها مراراً وبملء الصوت عن أنهم مستعدون في أية لحظة لوضع الأراضي والقواعد الإسرائيلية تحت تصرف قادة حلف الناتو. وينسحب هذا بطبيعة الحال على الجنرالات والأميرالات الأميريكان بالدرجة الأولى.
وتضم المجموعة الثانية القواعد الموجودة في إيطاليا وإسبانيا ومالطا وجبل طارق وشمال أفريقيا.
فما هي شبكة القواعد هذه؟
انفق البنتاغون أموالاً طائلة لتسليح الجيش التركي وتجهيزه وتدريبه ولبناء منشآت عسكرية على نطاق واسع. وخصص جزء كبير من هذه الأموال لإنشاء شبكة واسعة من القواعد العسكرية المخصصة شكلياً للقوات المسلحة التركية ولجيوش بلدان حلف الناتو الأخرى على حد سواء. فقد شيدت كبريات المنشآت الجوية في إينجراليك وقرهمورسل وأدنة وقواعد بحرية في أزمير واسكندرونة ومنشآت باهظة التكاليف لأغراض الاتصال البعيد والرصد اللاسلكي والاستطلاع الراديوتكنيكي في سينوبا وديار بكر وباندرما وتطوان وأماكن أخرى. ويبلغ العدد الإجمالي للقواعد الأمريكية الكبرى فحسب المقامة بتركيا أكثر من 25 قاعدة.
ويوجد في القواعد الأمريكية المقامة بتركيا زهاء سبعة آلاف جندي وضابط، علاوة على الموظفين المدنيين وغيرهم. وترابط هناك عدة أسراب من طائرات سلاح الجو التكتيكي وقطعات أخرى ويوجد بتركيا عدد كبيرة من وحدات ومراكز الاستطلاع الأمريكية وخبراء وكالة المخابرات المركزية والاستخبارات العسكرية وغيرهما من المنظمات التجسسية.
ويعزى ذلك بالدرجة الأولى إلى أن لتركيا حدوداً برية واسعة مع الاتحاد السوفييتي. وذكرت مجلة "يونايتد ستيتس نيوز أندرولد ريبورت" أن "سويداء المنشآت العسكرية الأمريكية بتركيا تتمثل في الشبكة الواسعة لمحطات الرادار ومراكز الاستطلاع الراديو تكنيكي التي تراقب الاتحاد السوفييتي ليلاً نهاراً، وتحاول أن ترصد وتسجل شتى المكالمات التي تدور بين الطائرات والسفن والقطعات العسكرية السوفييتية في أرمينيا السوفييتية والبحر الأسود وشرقي البحر الأبيض المتوسط. كما أنها تراقب التوابع الصناعية السوفييتية وتسجل حالات إطلاق الصواريخ وغير ذلك من الأعمال الفضائية. إن هذه العمليات التجسسية السرية للغاية والمحاطة بستار من الكتمان الشديد والتي ينفق عليها بسخاء تسمح للبنتاغون بالحصول على معلومات هامة جداً. ولو فقدت هذه الإمكانات لكان ذلك خسارة لا تعوض يصعب عواقبها"*.
وهنا يكمن أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع بالبنتاغون لإيلاء "أهمية خاصة" للقواعد المقامة بتركيا، كما أكد ذلك مراراً العديد من الخبراء العسكريين الأمريكان المعروفين.
وقد أنشأت الولايات المتحدة في اليونان عدداً من القواعد الهامة لقواتها المسلحة. وكان الأمريكان يشعرون بالاطمئنان التام هناك إبان حكم "القعداء السود" الذين سعوا إلى ربط بلدهم بعجلة الناتو والبنتاغون بأوثق الأواصر. ومقابل "المساعدة" الأمريكية، وخاصة صادرات الأسلحة، منحت الرجعية اليونانية أوسع الحقوق والصلاحيات للقوات المسلحة الأمريكية. وكان الجنود والضباط الأجانب يتصرفون بالمطارات اليونانية، بما فيها مطارات أثينا، وكأنهم في عقر دارهم، وكانت سفن الأسطول السادس متواجدة باستمرار في الموانئ وخاصة في بيريه، كما أن القوات الأجنبية كانت تقوم بتدريبات ومناورات منتظمة في المناطق الساحلية. وجرى تدريب قطعات من مشاة البحرية لقمع "الاضطرابات الداخلية"، أي لمحاربة قوى التحرر الوطني التي كانت حركتها تتعاظم باطراد في اليونان، رغماً عن الإرهاب والتنكيل.
وفي تلك الفترة وقدت إلى الأراضي اليونانية، وبخاصة جزيرة كريت، قطعات جيش ألمانيا الغربية الذي أنشأ هناك، بمعية بلدان أخرى من حلف الناتو، عدداً من ميادين الرمي لتدريب رجال الصواريخ والدبابات وجنود الإنزال، علاوة على منشآت أخرى.
وقد زعزعت إحدى السنوات الأخيرة بعض الشيء مواقع البنتاغون وحلف الناتو في اليونان. فبعد الإطاحة بالحكومة العسكرية الفاشية أحرزت القوى الوطنية اليونانية بعض النجاحات في مضمار تعزيز سيادة البلد. وطولبت واشنطن بإغلاق قواعدها العسكرية في أراضي اليونان وسحب سفن الإسطول الأمريكي السادس من أثينا وبيريه والموانئ الأخرى التي يستخدمها الأمريكان كقواعد بحرية.
ولكن الأمريكان تمكنوا من أن يخففوا بعض الشيء من حدة النضال ضد البنتاغون، ثم تمكنوا من استعادة مواقعهم في الأراضي اليونانية. وفي نيسان (أبريل) 1976 وقع ممثلون عن الولايات المتحدة واليونان اتفاقية جديدة في واشنطن حول التعاون العسكري وأمدها أربع سنوات. واحتفظ البنتاغون بأربع قواعد عسكرية ضخمة في أراضي اليونان وعدد من المنشآت الهامة بقع بعضها في جزر كريت ورودس وليمنوس. ومقابل ذلك وعدت الولايات المتحدة بأن تقدم لليونان مساعدة عسكرية بمبلغ 700 مليون دولار. وتمكن ساسة واشنطن من اللعب على وتر حساس، نعني بذلك التناقضات بين اليونان وتركيا،وذلك لكي يجروا هذين البلدين أكثر فأكثر إلى حلبة استعدادات الناتو في البحر الأبيض المتوسط.
وذكرت صحيفة "ريزوسباستيس" اليونانية أن الاتفاقية اليونانية الأمريكية هي في واقع الحال شكل جديد لاستعباد اليونان عسكرياً واقتصادياً. ومضت تقول أن هذه الاتفاقية تدل على أن الأوساط الرجعية لا تكف عن محاولة العودة إلى أزمان "الحرب الباردة".
إن القوى الرجعية تسترشد في سياستها حيال قبرص أيضاً بأهداف ضمان المصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة وحلف الناتو في البحر الأبيض المتوسط والمناطق المتاخمة له، وبمهمات الوقوف ضد نهضة الوعي الوطني والحركة التحررية الجماهيرية.
إن الدوائر الرجعية للإمبريالية الأمريكية وحلف الناتو، هي التي كانت وراء التمرد الفاشي بقبرص في تموز (يوليو) 1974، وما أعقبه من أحداث مفجعة أثارت استياء مشروعاً في جميع أنحاء العالم. وأشارت صحيفة "السفير" اللبنانية إلى أن دور حلف الناتو ووكالة المخابرات المركزية في أحداث قبرص الدامية قد انكشف الآن ولم يعد سراً. ومضت تقول أن استراتيجيي حلف الناتو كانوا يأملون في اغتصاب قبرص أو جزء منها، بمساعدة الطغمة العسكرية اليونانية، لكي يقيموا هناك قواعد جديدة لممارسة سياستهم العدوانية.
ذكرنا آنفاً أن عدداً من القواعد العسكرية الهامة قد أنشئ في قبرص إبان فترة تسلط الاستعمار البريطاني، وأكبر هذه القواعد في فاماغوستا. وقد تمكنت الإمبريالية البريطانية من الاحتفاظ بهذه "القواعد المستقلة" حتى بعد انبثاق جمهورية قبرص عام 1960. ولكن السنوات التالية شهدت تعاظم تدخل واشنطن والبنتاغون في شؤون قبرص، وذلك أملاً في الحصول على قواعد هناك.
وحينما استعر النزاع المسلح في قبرص والذي أدى إلى تفاقم التناقضات بين اثنين من أعضاء حلف الناتو، وهما اليونان وتركيا، عمدت الولايات المتحدة إلى تصعيد نشاطاتها، وكان هدفها الرئيسي هو الحيلولة دون تضعضع مواقع حلف الناتو في هذه المنطقة. وأوفدت إلى سواحل الجزيرة على جناح السرعة سفن الأسطول السادس (وساعد على ذلك أن الوقات الأساسية لهذه الأسطول كانت آنذاك في الموانئ والقواعد اليونانية) وأجريت مفاوضات مع إسرائيل حول القيام بأعمال مشتركة إذا دعت الضرورة، وأعلنت حالة التأهب القصوى في القطعات الجوية المتواجدة في قواعد بإيطاليا وألمانيا الغربية. وجرى على قدم وسام العمل وفق "دبلوماسية الدولارات" التي تعتبرها واشنطن على الدوام الظل الملازم "لدبلوماسية الزوارق".
تحتل القواعد المقامة في إيطاليا الموقع الرئيسي في المجموعة الغربية للقواعد العسكرية الإمبريالية في البحر الأبيض المتوسط. وإيطاليا واحد من أكثر أعضاء المنظمة العسكرية للناتو نشاطاً وقد أنشئت في المناطق الساحلية والداخلية بإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية عشرات من قواعد هذه الحلف العدواني، وعدد من كبريات المنشآت الاستراتيجية التابعة للبنتاغون مباشرة. وعلاوة على قاعدة سيغونيلا التي ورد ذكرها سابقاً، يمكن أن نشير هنا إلى المجمعات الجوية الضخمة (مطارات ومستودعات للذخائر والوقود وورشات تصلح وغيرها) في شمال إيطاليا وبالقرب من فيرونا وفيتشنتسا (روفيريتو وغيرها) وقواعد بحرية في نابولي وليفورنو وفي جزيرة مادلينا عند سواحل سردينيا. وترابط بشكل دائم في ميناء غايتا (إلى الشمال من نابولي) هيئة الأركان الساحلية للأسطول الأمريكي السادس. كما توجد منشآت عسكرية أخرى في جزيرة بانتليريا وأماكن أخرى. ويوجد في هذه القواعد زهاء 12 ألفاً من أفراد القوات المسلحة الأمريكية، بخلاف أفراد سفن الأسطول السادس المرابطة في الموانئ الإيطالية ووحدات الإنزال التابعة لمنشأة البحرية المنقولين.
في آذار (مارس) 1976 أوردت مجلة "تمبو" الإيطالية لأول مرة تفصيلات حول استخدام القيادات العسكرية الأجنبية لقاعدة سالتو دي كويرا (برداسديفوغو) في جنوب شرقي جزيرة سردينيا. وذكرت المجلة أن هذه القاعدة تعتبر من أهم مراكز حلف الناتو وتجري فيها تجربة مختلف الصواريخ "وهي في الأساس ليست من صنع إيطاليا". ويتولى حراسة القاعدة مئات الجنود وتحف بها أبراج المراقبة ومراكز المتابعة الراديو تكنيكية، وتوجد هناك أحدث شبكات الإنذار. وتفيد المجلة بأن القاعدة "تعج بالألمان الغربيين والأمريكان الذين لا يغادرونها إطلاقاً*". وهم يفدون إلى القاعدة ويغادرونها على متن طائرات وهليكوبترات عسكرية، ولهذا الغرض شيد مطار خاص مغلق بالقرب من القاعدة.
وقد أحدث الدافع الذي حدا بمجلة "تيمبو" إلى لفت الأنظار إلى هذه القاعدة، أحدث قلقاً كبيراً في أوساط الرأي العام بإيطاليا وخارجها. وتتلخص المسألة في أن معطيات مؤكدة ومدققة سجلت في عدد من محطات الهزات الأرضية والمراكز الجيوفيزيائية تفيد بأن هزة أرضية قد حدثت في منطقة هذه القاعدة التابعة لحلف الناتو في شهر كانون الثاني (يناير) 1976. ولا يدع طابع الهزة مجالاً للشك في أنها ناجمة عن انفجار نووي تحت الأرض. بيد أن السلطات العسكرية في روما رفضت الإدلاء بأية معلومات دقيقة بهذا الصدد، ولكن لا يمكن اعتبار ذلك إنكاراً للواقعة ذاتها. ومن المعروف أن إيطاليا لا تمتلك سلاحاً نووياً، وبهذا الصدد تخلص مجلة "تيمبو" إلى استنتاج منطقي يقول: إذا كان قد أجرى في سردينيا تفجير قنبلة نووية، فمن البديهي أن ملكيتها تعود للأمريكان.
وبالطبع فقد أثار النبأ الذي أوردته المجلة الإيطالية قلقاً كبيراً في أوساط الرأي العام ولفت مجدداً أنظار الناس الطيبين إلى الخطورة القصوى لاستخدام الأراضي الإيطالية من قبل طغمة عسكرية أجنبية، وإلى العواقب الخطيرة الناجمة عن وجود قواعد وقوات أجنبية في الأراضي الإيطالية.
تحتل القواعد المقامة بإسبانيا مكاناً خاصاً في خطط البنتاغون، وهي تعتبر "المؤخرة المنعية الرئيسية" لمجمل الهيكل العسكري للولايات المتحدة وحلف الناتو في حوض البحر الأبيض المتوسط.
وطبقاً للاتفاقية الإسبانية الأمريكية التي عقدت 1953 وجددت عدة مرات فيما بعد، شيدت بإسبانيا في الخمسينات عدة قواعد جوية ضخمة أهمها قاعدة توريخون ديس أوردوس بالقرب من مدريد وقاعدة ساراغوسه والقاعدة الاحتياطية في مورون ديلا فرونتيرا (قرب إشبيلية)*.
كما توجد قاعدة استراتيجية للغواصات الذرية حاملة الصورايخ بالقرب من قرية روتا لصيادي الأسماك المجاورة لميناء قادسي الإسباني في الجزء الجنوبي الغربي من شبه جزيرة بيرنس. وتعد هذه القاعدة من أهم القواعد البحرية الأمريكية في الخارج ومركزاً أمامياً لمرابطة الغواصات حاملة الصواريخ المخصصة أساساً لشن الحروب الصاروخية النووية.
وذكرت صحيفة "نيفي تايمس" البحرية أن قاعدة روتا التي شيدت على أساس الخبرة الطويلة الأمد في استخدام كبريات القواعد في الخارج، هي في واقع الحال مجمع متكامل هائل يحتل مساحة 2400 هكتار. وبإمكان القاعدة استقبال سفن حربية من جميع الأصناف بما فيها حاملات الطائرات الضاربة والغواصات النووية الصاروخية وكذلك ناقلات الوقود الكبرى. والقاعدة مجهزة بأحدث معدات التأمين وتصليح السفن، وفيها مستودعات واسعة (ضمنها مستودعات لخزن الأسلحة الصاروخية النووية)، وتتوفر فيها الظروف لإقامة وراحة أعداد كبيرة من أفراد القوات المسلحة. وإلى جانب ذلك فإن قاعدة روتا تعد قاعدة جوية ضخمة، حيث شيد هناك مدرج لإقلاع والهبوط طوله زهاء ثلاثة كيلومترات وورشات تصلح وعنابر (وقسم منها تحت الأرض) ومركز اتصالات وثكنات.. الخ.
إن جميع القواعد الأمريكية في إسبانيا مترابطة فيما بينها، ومع عدد من الموانئ بشبكة من الأنابيب الضخمة وخطوط الإنذار الراداري والاتصال والتوجيه، وتوجد فيها احتياطات كبيرة من الذخائر الاعتيادية والنووية والوقود والمواد العسكرية الأخرى. كما ترابط هناك بشكل دائم مجموعة من القوات المسلحة الأمريكية قوامها بضعة آلاف من الجنود والضباط. وتبلغ نفقات إدارة القواعد وإعالة العاملين فيها أكثر من 110 ملايين دولار سنوياً. أما مجموع ما أنفقه البنتاغون على المنشآت العسكرية في إسبانيا فقد ربا على مليار دولار.
ورغبة من الولايات المتحدة في إبقاء إسبانيا دائرة في فلك سياستها وبغية تعزيز مواقعها في شبه جزيرة بيرنس، قدمت واشنطن لمدريد في الفترة 1968ـ 1974 "مساعدة عسكرية" بمبلغ يزيد على 600 مليون دولار وأسلحة تصل أثمانها إلى 242 مليون دولار. وطبقاً للاتفاقية الجديدة حول القواعد والتي وقعت في تشرين الأول (أكتوبر) 1975، فقد تعهدت الولايات المتحدة بأنه تقدم لإسبانيا خلال سنوات "مساعدة عسكرية" إضافية بمبلغ يقرب من 700 مليون دولار. وازدادت إصرار محاولات الولايات المتحدة الرامية إلى جذب إسبانيا إلى حلف الناتو.
إن نضال الجماهير ضد الخطر الذي يهدد السلام والناجم عن وجود القواعد الأمريكية في أراضي الغير، وخاصة في حوض البحر الأبيض المتوسط، أدى بشكل أو بآخر إلى لفت الأنظار إلى القواعد العسكرية التي تمتلكها الدول الإمبريالية الأخرى في هذه المنطقة.
ولبريطانيا حالياً جملة من المنشآت العسكرية في المنطقة، وأكبرها قاعدة جبل طارق المسيطرة على المضيق الموصل بين البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. ويوجد هناك مرسى محاط بوسائل حماية ورافعات سفن ضخمة ومعدات لتصليح السفن ومطار هام تستخدمه الطائرات الساحلية والبحرية. وإن هذه الصخرة الهائلة البارزة من البحر في الظرف الجنوبي من شبه جزيرة بيرنس هي في واقع الحال قلعة منيعة مجهزة بالمدفعية وأسلحة الدفاع الجوي والصواريخ والمعدات الحربية الأخرى وقد شيدت في جوفها مستودعات وترسانات وثكنات ومراكز اتصال… الخ.
ولبريطانيا أيضاً منشآت عسكرية ضخمة في مالطا وهي مستعمرة بريطانية سابقاً في البحر الأبيض المتوسط حصلت على استقلالها عام 1964، ولكنها لم تلفح لحد الآن في تحقيق الجلاء التام للجنود والضباط الأجانب من أراضيها. وعلاوة على القاعدة البحرية الهامة في ميناء لافاليت شيد البريطانيون في الجزيرة عدداً من المطارات العسكرية وميادين الرمي ومنشآت أخرى. وتعتبر غالبية هذه المنشآت حالياً "قواعد لحلف الناتو" وعلى هذا الأساس تستخدمها القوات المسلحة الأمريكية على نطاق واسع. وإن هذه القواعد وكذلك قواعد حلف الناتو المقامة في جزر آزور (الخالدات) التابعة للبرتغال، تعتبر المرتكزات الوسيطة الرئيسية للطائرات القتالية وطائرات النقل الأمريكية عند إقامة "جسر جوي" بين الولايات المتحدة وبلدان البحر الأبيض المتوسط وخاصة إسرائيل، فمن هنا كان يمر الجسر الجوي الذي استخدمته الولايات المتحدة أثناء وبعد حرب أكتوبر عام 1973 لتزويد المعتدين الإسرائيليين بكميات كبيرة من الأسلحة والذخائر والمعدات الحربية وسائر الشحنات العسكرية. وفيما بعد أقرت الصحف العسكرية الأمريكية صراحة ومراراً بأنه في حالة حدوث أزمات جديدة فإن وجود قواعد عسكرية دائمة على الطريق الممتد بين الولايات المتحدة وحوض البحر الأبيض المتوسط نوبات مستمرة تقوم بها فوق المحيط أسراب من الطائرات الصهاريج. وتشير جميع القرائن إلى أن واضعي استراتيجية البنتاغون يحتملون حصول أحداث مماثلة وستعدون بمثابرة لها مسبقاً.
كما أن المخططين في الولايات المتحدة وحلف الناتو يستعدون لاستخدام القواعد والمنشآت الإسرائيلية على نحو واسع لأغراضهم العسكرية في حالة الضرورة. وقد أنشأت الطغمة العسكرية الإسرائيلية عدداً غير قليل من هذه القواعد في البلد ومنها القواعد الجوية والبحرية الكبرى في حيفا ويافا والرملة وبئر شوا وغيرها. ويوجد في تل أبيب وضواحيها عدد كبير من المنشآت العسكرية الاستراتيجية بينها مطارات ووسائل تأمين عمليات القوات البحرية. ومن الجلي أن إمكانات غالبية هذه القواعد والمنشآت هي أكثر من متطلبات القوات المسلحة الإسرائيلية. وقد أعلنت الأوساط الرجعية الإسرائيلية مراراً ـ أثناء حرب أكتوبر 1973 وإبان أحداث قبرص في آب (أغسطس) 197 ـ عن استعدادها لوضع قواعدها العسكرية تحت تصرف القوات المسلحة للولايات المتحدة وحلف الناتو. ولم يصل الأمر هذا الحد حينذاك، بيد أن احتفاظ إسرائيل بشبكة من القواعد والمنشآت العسكرية تفوق متطلباتها يعرى كلياً نوايا الرجعية العالمية.
إن سياسة الإمبرياليين في حوض البحر الأبيض المتوسط والتي تهدد قضية السلام، تثير قلقاً وشجباً مشروعين في أوساط كل من تعز لديه، بالفعل لا بالقول، قضية السلام وأمن الشعوب. إن أوسع الجماهير في بلدان البحر الأبيض المتوسط وخاصة سكان البلدان التي تيقنت عبر تجربتها من الخطر البالغ للنوايا العدوانية للإمبريالية العالمية العاملة بتحالف وثيق مع الأوساط الصهيونية والدوائر الرجعية الأخرى، هذه الجماهير تبذل الكثير من الجهود لتلطيف الجو ومواصلة تعميق الانفراج. كما أنها تناضل بحزم متزايد ضد نشاطات القوى الرجعية التي ما برحت مستعدة لأن تتلاعب طائشة بمصائر الملايين. وتندد الجماهير بالساسة الذين يتساومون مع الإمبريالية العالمية والأوساط الرجعية في الولايات المتحدة وحلف الناتو.
إن الاتحاد السوفييتي وبلدان المنظومة الاشتراكية تساند بحزم النشاطات المشروعة المتجاوبة مع مصالح السلام والتي تقوم بها القوى التقدمية في حوض البحر الأبيض المتوسط، وقد ساندت وسوف تساند النضال التحرري لهذه القوى والتدابير العملية الهادفة إلى تأمين الاستقلال الناجز للدول النامية.
إن شعوب بلدان البحر الأبيض المتوسط وأصدقاءها في البلدان الأخرى الطامحين إلى تحسين الوضع الدولي يرفضون ادعاءات الولايات المتحدة وبريطانيا والدول الإمبريالية الأخرى الرامية إلى الاحتفاظ بـ "وضع خاص" في حوض البحر الأبيض المتوسط. وهم يطرحون مسألة تصفية شبكة القواعد والمرتكزات العسكرية الأجنبية الإمبريالية في منطقة البحر الأبيض المتوسط وانسحب الأسطول الأمريكي السادس وسائر الأدوات العدوانية لقيادة حلف الناتو في جنوب أوروبا من هذه المنطقة، معتبرين هذه المسألة أحد الأسس الهامة لضمان السلام وأمن الشعوب.
وتعبيراً عن آمال أوسع الجماهير وسعيها لتوطيد السلام في العالم أجمع ومن ضمنه منطقة البحر الأبيض المتوسط، أعلن قادة الأحزاب الشيوعية والعمالية الأوروبية المشاركون في مؤتمر برلين أنهم "يعارضون الاستمرار في تخزين الأسلحة بهذه المنطقة ويدعون إلى انسحاب السفن حاملة الأسلحة النووية من البحر الأبيض المتوسط وتصفية جميع القواعد العسكرية الأجنبية، وإلى أن يجري، خلال عملية تجاوز انقسام أوروبا إلى كتلتين عسكريتين، انسحاب جميع الأساطيل والقوات العسكرية الأجنبية، مما سيخدم قضية تحويل البحر الأبيض المتوسط إلى بحر سلام".
إن حوض البحر الأبيض المتوسط هو مهد الحضارة العالمية وينبغي أن يغدو منطقة يسودها السلام وحسن الجوار والتفاهم المتبادل. ويمكن أن يتم التمهيد لذلك بتصفية القواعد العسكرية الأجنبية المقامة هناك.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
قواعد الإمبريالية أداة العدوان
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
Syria proud - سوريا الأبيــــّة :: أهــــــــــداف الموقـــــــــــــــع :: مجموعات الكتّاب والاعلاميين-
انتقل الى: